خواجه نصير الدين الطوسي

369

تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل

كما قالوه لما استحقّ المعصوم على عصمته مدحا ، ولبطل الامر والنهي والثواب والعقاب ؛ ومن النقل بقوله تعالى : « قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ . وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ . وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا . وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي » . ثمّ إنّ هؤلاء زعموا أنّ أسباب العصمة أمور أربعة : أحدها أن يكون لنفسه أو لبدنه خاصيّة تقتضى ملكة مانعة من الفجور والفسوق . والفرق بين الفعل والملكة معلوم . وثانيها أن يحصل له العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات . وثالثها تأكيد تلك العلوم بتتابع الوحي والبيان من اللّه تعالى . ورابعها أنّه متى صدر عنه أمر من الأمور من باب ترك الأولى أو النسيان لم يترك مهملا ، بل يعاتب وينبّه عليه ويضيق الأمر فيه عليه . فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان الشخص معصوما عن المعاصي لا محالة ، لأنّ ملكة العفة إذا حصلت في جوهر النفس ، ثم انضمّ إليها العلم التامّ بما في الطاعة من السعادة وفي المعصية من الشقاوة ، صار ذلك العلم معينا له على مقتضى الملكة النفسانيّة ، ثم الوحي يصير متمّما لذلك ، ثمّ خوف المؤاخذة على القدر القليل يكون مؤكّدا لذلك الاحتراز ، فيحصل من اجتماع هذه الأمور تأكيد حقيقة العصمة . أقول : في كون أسباب العصمة مشتملة على هذه الأمور الأربعة نظر ، لأنّهم جعلوا الوحي أحد أسبابها . وكثير من الأمّة يقولون بعصمة الملائكة والأئمة وبعصمة حوّاء ومريم وفاطمة ، ولم يقولوا بالوحي إليهم . والتحقيق يقتضي أن لا تكون العصمة لأجل الطمع في السعادة والخوف من المعصية ، لأنّ ذلك يقتضي أن لا تكون العصمة مقتضى طبع صاحبهما ، بل تكون بالتكلّف . والأجود أن يقال : إنّ للّه تعالى في حقّ صاحبها لطفا لا يكون له مع ذلك داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك ، هذا على رأى المعتزلة . أو يقال : إنّها ملكة لا يصدر عن صاحبها معها المعاصي ، وهذا على رأى الحكماء .