خواجه نصير الدين الطوسي
370
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل
قال : ثمّ اتّفقت الأمّة على كون الأنبياء معصومين عن الكفر إلّا الفضليّة من الخوارج ، فانّهم اعتقدوا أنّ كلّ ما يطلق عليه اسم العصيان فهو كفر . ثمّ إنّهم جوّزوا على الرسل المعاصي ، فلا جرم جوّزوا الكفر عليهم . ويدلّ على فساده أنّه لو جاز الكفر عليهم لكان الاقتداء بهم واجبا فيه ؛ لقوله تعالى « فَاتَّبِعُونِي » وفساده يدلّ على فساد قولهم . ومن الناس من لم يجوّز الكفر ، لكنّه جوّز إظهار الكفر على سبيل التقيّة . واحتجّوا عليه بأنّ إظهار الاسلام إذا كان مفضيا إلى القتل كان إظهاره إلقاء النفس في التهلكة ، وهو غير جائز . وهذا أيضا باطل ، لأنّه يفضى إلى خفاء الدين بالكليّة . ولأنّه لو جاز ذلك لكان أولى الأوقات به مبدأ ظهور الدعوة ، لأنّ الخلق في ذلك الوقت يكونون بالكليّة منكرين له ، فكان يلزم أن لا يجوز لأحد من الأنبياء إظهار الدّعوة . لأنّ الخوف الشديد كان حاصلا لإبراهيم عليه السّلام في زمن نمرود ، ولموسى عليه السّلام في زمان فرعون ، مع أنّهم لم يمتنعوا من إظهار الحقّ . ومن الناس من لم يجوّز الكفر ولا إظهاره ، لكنّه جوّز الكبائر عليهم . والأكثرون لم يقولوا به ، لوجوه : الأوّل لو صدرت الكبيرة عنهم لكانوا أقلّ درجة من عصاة الامّة ، وذلك غير جائز . بيان الملازمة أنّ درجات الأنبياء في غاية الشرف . وكلّ من كان كذلك كان صدور الذنب عنه أفحش . ألا ترى إلى قوله تعالى : « يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ » والمحصن يرجم وغيره يحدّ ، وحدّ العبد نصف حدّ الحرّ . وامّا أنّه لا يجوز أن يكون النبي صلّى اللّه عليه وآله أقلّ حالا من الامّة فبالاجماع . أقول : لو قال : « الأنبياء عليهم السّلام أكثر علما بقبح الفواحش وأوفر إقبالا على الأمور الالهيّة ، فيكون صدور الذنب عنهم أفحش » لكان أقرب . والمحصن يرجم لا لشرفه ، بل لاستغنائه عن الزنا ، بخلاف غيره .