الشيخ الطوسي
238
تلخيص الشافي
ضيافة الأنصار ، يتداولون ضيافته ، ولم يرو أحد أن أبا بكر أضافه وقام بمئونته بالمدينة ، وقد كان صلّى اللّه عليه وآله يبقى اليوم واليومين والثلاثة ، لا يطعم شيئا ، وربما شد الحجر على بطنه . ووجوه الانفاق في المدينة معروفة ، لأنها الجهاد وتجهيز الجيوش . وليس يمكن أحدا أن يعين له انفاقا في شيء من ذلك . وقد بين أصحابنا رحمهم اللّه في الكلام على نفقة أبي بكر وادعاء يساره : أنه كان مملقا غير مؤسر ، ودلوا على ذلك من حاله بأشياء : منها - أنه كان يعلم الناس ويأخذ الأجر على تعليمه . وليس هذا صنيع الموسرين . ومنها - أنه كان يخيط الثياب ويبيعها . ومنها - أن أباه كان معروفا بالمسكنة والفقر ، وأنه كان ينادي - في كل يوم - على مائدة ابن جذعان بأجر طفيف . فلو كان أبو بكر غنيا لكفى أباه . وبعد ، فلو سلم لهم يساره وانفاقه - على ما يدعون - لكان غير دال على الغرض الذي يجرون إليه ، لأن المعتبر في الانفاق بالمقاصد والنيات ، فمن أين لهم : أن غرض أبي بكر فيه كان محمودا . وهذا مما لا بد لهم فيه من الرجوع إلى غير ظاهر الانفاق . فاما قولهم : كان صاحبه في الغار ، فقد مضى الكلام - فيما مضى - مستوفى « 1 » . فاما قولهم : انه كان صاحبه في الهجرة ، فان أرادوا بذلك تفضيل هجرته على هجرة غيره في ظاهر الحال ، فليس الأمر على ما ظنوه ، لأن هجرة أمير المؤمنين عليه السّلام كانت أفضل وأعظم وأجل ، من قبل أنه عليه السّلام جمع بين الهجرتين ، وبين ما خلفه النبي صلّى اللّه عليه وآله لانجازه من أموره المهمة واخراج أهله ونسائه ، ولأنه عليه السّلام هاجر وحده ، خائفا مستوحشا على نفسه وعلى من معه من
--> ( 1 ) راجع : ص 110 من هذا الجزء .