الشيخ الطوسي
165
تلخيص الشافي
ثم قلت في نفسي : قد عرفنا هؤلاء القوم بأسمائهم وعشائرهم وعرفهم الناس . وإذا هو يريد غير ما نذهب إليه منهم . فعاد عمر إلى التنفس ، ثم قال : من تريانه ؟ قلنا : واللّه ما ندري إلا ظنا . قال : ومن تظنان ؟ قلنا : نراك تريد القوم الذين أرادوا أبا بكر على صرف هذا الأمر عنك . قال : كلا ، بل كان أبو بكر أعق وأظلم ، هو الذي سألتما عنه ، كان واللّه أحسد قريش كلها ، ثم أطرق - طويلا - فنظر إلى المغيرة ونظرت إليه ، فأطرقنا لاطراقه ، وطال السكوت منا ومنه حتى ظننا أنه قد ندم على ما بدا منه ، ثم قال : والهفاه على ضئيل بني تيم بن مرة لقد تقدمني ظالما ، وخرج إلي منها آثما . فقال له المغيرة : هذا تقدمك ظالما قد عرفنا ، فكيف خرج أليك منها آثما ؟ قال : ذاك إنه لم يخرج إلى منها إلا بعد يأس منها ، أما واللّه لو كنت أطعت زيد بن الخطاب وأصحابه لم يتلمظ من حلاوتها بشيء أبدا ، ولكن قدّمت وأخرت ، وصعّدت وصوّبت ، ونقضت وأبرمت . فلم أجد إلا الاغضاء على ما نشب فيه منها والتلهّف على نفسي . وأمّلت إنابته ورجوعه فو اللّه ما فعل حتى فغر بها بشما « 1 » . قال له المغيرة : فما منعك منها ، وقد عرّضك لها يوم السقيفة بدعائك لها « 2 » . ثم أنت الآن منتقم بالتأسف عليه ، فقال له : ثكلتك أمّك يا مغيرة إني كنت لأعدك من دهاة العرب كأنك كنت غائبا عما هناك ؟ إن الرجل ماكرني وألفاني أحذر من قطا ، وانه لما رأى شغف الناس به واقبالهم بوجوههم إليه أيقن ألّا يريدوا به بدلا ، فأحب - مما رأى من حرص الناس عليه وشغفهم به - أن يعلم ما عندي ، وهل تنازع إليها نفسي ، وأحب أن يبلوني باطماعي فيها والتعريض لي بها . وقد علم وعلمت
--> ( 1 ) فغرفاه : فتحه . وبشم بشما من الشيء : سئم منه . ( 2 ) يقصد حينما خير بينه وبين أبي عبيدة في البيعة بقوله « بايعوا أحد هذين الرجلين » راجح : ص 101 من الجزء الثاني .