الشيخ الطوسي
135
تلخيص الشافي
فان قالوا : انما خاف زكريا على العلم أن يندرس فلأجل ذلك سأل اللّه تعالى وليا يحفظه من الاندراس . قيل لهم : لا يجوز من زكريا أن يخاف ذلك لأنه يعلم أن حكمة اللّه تعالى تقتضي حفظ العلم الذي هو الحجة على العباد . وبه تنزاح عللهم في مصالحهم فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله . فان قيل : فهبوا أن الأمر على ما ذكرتم من أنه كان يأمن من الاندراس أليس لا بد أن يكون مجوزا لأن يحفظه اللّه تعالى بمن هو من أقاربه وأهله ، كما يجوز أن يحفظه بغريب أجنبي منه ، فما أنكرتم أن يكون خوفه إنما كان من بني عمه ألا يتعلموا العلم ولا يقوموا فيه مقامه ، فسأل اللّه تعالى ولدا تجتمع فيه هذه العلوم حتى لا يخرج العلم عن بيته ويتعداه إلى غير قومه ، فتلحقه بذلك وصمة . قلنا : أما إذا رتب السؤال على هذا الترتيب ، فالجواب عنه غير ما تقدم وهو أن الخوف الذي أشاروا إليه ليس من ضرر ديني ، وإنما هو من ضرر دنيوي والأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا لتحمل المضار الدنيوية . ومنازلهم في الثواب انما زادت على كل المنازل في هذا الوجه . ومن كانت هذه حاله فالظاهر من خوفه إذا لم يعلم من جهة بعينها يجب أن يكون محمولا على مضار الدين لأنها هي جهة خوفهم ، والغرض في بعثتهم تحمل ما سواها من المضار ، فإذا قال النبي عليه السلام . أنا خائف - ولم نعلم جهة خوفه على التفصيل - يجب أن يصرف خوفه بالظاهر إلى مضار الدين دون الدنيا ، لأن أحوالهم وبعثتهم تقتضي ذلك ، وإذا كنا لو اعتدنا من بعضنا الزهد في الدنيا وأسبابها والتعفف عن منافعها والرغبة في الآخرة والتعوذ بالعمل لها ، لكنا نحمل ما يظهر لنا من خوفه الذي لا يعلم وجهه بعينه على ما هو أشبه وأليق بحاله ، ونضيفه إلى الآخرة دون