الشيخ الطوسي
134
تلخيص الشافي
الضن والبخل . قلنا : معاذ اللّه ان يسوى الحالان ، لأن المال قد يصح أن يرزقه اللّه المؤمن والكافر والولي والعدو ، ولا يصح ذلك في النبوة وعلومها . وليس من الضن أن يأسى على بني عمه وهم من أهل الفساد ان يظفروا بماله لينفقوا به على المعاصي ، ويصرفوه في غير وجوهه بل ذلك هو غاية الحكمة وحسن التدبير في الدين ، لأن الدين يحظر تقوية الفساق وامدادهم بما يعينهم على طرائقهم المذمومة . ولا يعد ذلك شحا ولا بخلا إلا من تأمل له . فان قيل : فإلا جاز أن يكون خاف من بني عمه أن يرثوا علمه ، وهم من أهل الفساد - على ما ادعيتم - ويستفسدوا به الناس ، ويموهوا به عليهم ؟ قلنا : لا يخلو هذا العلم الذي أشرتم إليه من أن يكون : هو كتب علمه وصحف حكمته ، لأن ذلك قد يسمى علما - على طريق المجاز - أو يكون هو العلم الذي يحل القلوب : فإن كان الأول ، فهو يرجع إلى معنى المال ، ويصحح أن الأنبياء عليهم السلام يورثون أموالهم ، وما في معناها . وإن كان الثاني لم يخل هذا العلم من أن يكون هو علم الشريعة الذي بعث النبي صلّى اللّه عليه وآله لنشره وأدائه ، أو أن يكون علما مخصوصا لا يتعلق بالشريعة ، ولا يجب اطلاع جميع الأمة عليه كعلم العواقب وما يحدث في مستقبل الأوقات وما يجري مجرى ذلك . والقسم الأول : لا يجوز على النبي عليه السلام أن يخاف وصوله إلى بني عمه ، وهم من جملة أمته الذين بعث لاطلاعهم على ذلك وتأديته إليهم ، وكأنه - على هذا الوجه - يخاف مما هو الغرض في بعثته . والقسم الثاني : فاسد أيضا ، لأن هذا العلم المخصوص انما يستفاد من جهته ويوقف عليه باطلاعه واعلامه . وليس هو مما يجب نشره في جميع الناس ، فقد كان يجب - إذا خاف من إلقائه إلى بعض الناس فسادا - ألا يلقيه إليه ، فان ذلك في يده ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك .