الشيخ الطوسي
133
تلخيص الشافي
الماضين كانوا موروثين على القطع ونبينا صلّى اللّه عليه وآله لم يكن موروثا ، فمن ارتكب منهم ذلك كان خارقا للاجماع . فان قيل : دلوا على أن المراد بالميراث المذكور في الآية ميراث الأموال دون العلم والنبوة . قيل لهم : يدل على ذلك : أن لفظة الميراث المذكور - في اللغة والشريعة جميعا - لا تفيد اطلاقهما إلا على ما يجوز أن ينتقل على الحقيقة من الموروث إلى الوارث كالأموال وما في معناها . ولا يستعمل في غير المال إلا تجوزا واتساعا ولهذا لا يفهم من قول القائل : لا وارث لفلان ، وفلان يرث مع فلان بالظاهر والاطلاق إلا ميراث الأموال والأعراض ، دون العلوم وغيرها . وليس لنا أن نعدل عن ظاهر الكلام وحقيقته إلى مجازه بغير دلالة . وأيضا فإنه تعالى خبّر عن نبيه صلّى اللّه عليه وآله : أنه اشترط في وارثه أن يكون رضيا ومتى لم يحمل الميراث على المال دون العلم في الآية ودون النبوة ، لم يكن للاشتراط معنى ، فكان لغوا عبثا ، لأنه إذا كان إنما سأل من يقوم مقامه ويرث مكانه فقد دخل الرضا ، وما هو أعظم من الرضا في جملة كلامه وسؤاله فلا معنى لاشتراطه . ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحد : اللهم ابعث إلينا نبيا واجعله عاقلا ومكلفا . وإذا ثبتت هذه الجملة صح أن زكريا موروث . ومما يقوي ما ذكرناه : أن زكريا خاف بني عمه ، وطلب وارثا لأجل خوفه . ولا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون النبوة والعلم ، لأنه عليه السّلام كان أعلم باللّه من أن يخاف أن يبعث نبيا من ليس بأهل للنبوة ، أو أن يورث علمه وحكمته من ليس أهلا لهما ، ولأنه إنما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في بعثته . فان قالوا : هذا يرجع عليكم في الخوف من ورثة المال ، لأن ذلك غاية