الشيخ الطوسي

84

تلخيص الشافي

فتمسك ، ويطلب آخر السلامة فتخبر ، ثم لا يلبث أمرهم أن يظهر ، وحال القرامطة - في دخولهم البصرة - أن يعلم ، لأن ذلك - إذا صح - لم يكن قادحا في قولنا ولا معترضا على طريقتنا ، لأن الخوف - أولا - ربما انكتم معه الخبر ما دام الخوف قائما ، لا سيما إذا لم يحمل المخبرين على الخبر داع من دواعي الدين ، أو داع إلى الدنيا - يجري في القوة مجرى داعي الدين - وإذا أخبر منهم مخبر لقوة الدواعي ، فلا يكون إخباره إلا على أخفي ما يكون من الوجوه وأسترها . هذا إذا حمل نفسه على الخطر وركوب الضرر . ومثل هذا بعينه في النص ، لأن الدواعي التي دعت إلى كتمانه لم تعمّ جميع الأمّة ، بل اختص قوم بالنقل وآخرون بالكتمان . ومن نقل فإنما وقع نقله بقوة دواعي الدين على جهة الخفاء والمساترة . ونحن نعلم أنه لا يمكن أحدا من مخالفينا أن يقول : إن السلطان متى خوّف من ذكر خبر القرامطة ، فان من نقل خبرهم - مع هذا الخوف - وحمل نفسه على النقل ، تغليبا للسلامة وطمعا في النجاة ، فان نقله يقع ظاهرا مكشوفا كما يقع نقله لسائر ما لا خوف فيه من جهة السلطان . فقد ثبت - على كل حال - ما أردناه ، وبطل ما ادعاه أبو هاشم « 1 » من استحالة كتمان دخول القرامطة البصرة على الجماعة الكثيرة ، لأنه إذا سلم أن الكتمان لا يجوز أن يعمّ جميع الجماعات الواردة بل لا بدّ أن يخبر منهم - بما قررناه - مخبر ، فليس بواجب أن يقع الاخبار من هذه الجماعة ، حتى لا يبقى الكتمان إلا في الطائفة اليسيرة التي يجوز عليها التواطؤ ، بل العادة تقضي بعكس هذا ، لأن الخبر إذا وقع من بعضهم ، فليس يقع إلا من الآحاد الذين يخالفون

--> ( 1 ) يقصد : عبد السّلام ابن أبي علي الجبائي . وقد مضى الحديث عنه وعن أبيه بايجاز في تعليقنا على ص 157 من الجزء الأول