الشيخ الطوسي

263

تلخيص الشافي

قيل لهم : قد علم كل عاقل سمع الأخبار : ان أمير المؤمنين عليه السّلام وخلفاء شيعته وأصحابه كانوا من أشد الناس اظهارا لوقوع التحكيم من الصواب والسداد موقعه . وان التدبير أوجبه والسياسة والدين اقتضياه . وانه عليه السّلام ما اعترف - قط - بخطإ فيه ، ولا أغضى عن الاحتجاج على من شك فيه ، كيف - والخوارج انما ضلت عنه وغضبت عليه لأجل انها ارادته على الاعتراف بالزلل في التحكيم ، فامتنع كل امتناع ، وأبى أشد إباء - وقد كانوا يتبعونه ويعاودون طاعته ونصرته بدون هذا الّذي أضافوه إليه من الاقرار بالخطإ واظهار الندم فكيف يمتنع من شيء ويعترف بما هو أكثر منه ؟ هذا لا يظنه عليه عليه السّلام من يعرفه حق معرفته . فهذا الخبر شاذ ضعيف : فاما أن يكون باطلا موضوعا أو يكون الغرض فيه غير ما ظنه القوم من الاعتراف بالخطإ في التحكيم : فقد روى عنه عليه السّلام معنى هذا الخبر وتفسير مراده منه . ونقل من طرق معروفة في كتب أهل السير وأنه عليه السّلام لما سئل عن مراده بهذا الكلام قال : كتب إلى محمد بن أبي بكر بأن اكتب له كتابا في القضاء يعمل عليه فكتبت له ذلك وانفذته ، فاعترضه معاوية ، فاخذه » « 1 » فتأسف عليه السّلام على ظفر عدوه بذلك واشفق أن يعمل بما فيه من الاحكام ويوهم ضعفة أصحابه أن ذلك من علمه ومن عنده فتقوى الشبهة به عليهم . وهذا وجه صحيح يقتضي التأسف والتندم . وليس في الخبر المتضمن للشعر ما يقتضي أن تندمه كان على التحكيم دون غيره . وإذا جاءت رواية بتفسير ذلك عنه عليه السّلام كان الأخذ بها أولى . فان قيل : فلم كان أمير المؤمنين عليه السّلام يرفع رأسه يوم النهروان إلى السماء ناظرا إليها وإلى الأرض ، ويقول : « واللّه ما كذبت ولا كذبت » « 2 »

--> ( 1 ) في شرح النهج : 6 / 73 ط دار احياء الكتب العربية : بنفس المضمون ( 2 ) البداية والنهاية 7 / 293