الشيخ الطوسي
189
تلخيص الشافي
من وجبت طاعته ، ولزم الانقياد لأمره ونهيه . وكيف لا تجب طاعة من يقطع على أنه لا يختار لنا ويدعونا إلا إلى ما هو أصلح لنا في ديننا وأعود علينا ، فكأن السائل عبّر عن التقرير بفرض الطاعة بلفظ آخر يقوم مقامه ، لأنه لا فرق بين أن يقول : انه أولى بأن نطيعه ونقتاد له ، وبين أن نقول : إنه أولى بالاشفاق علينا وحسن النظر فيما يرجع إلى ديننا ، لأن الوصف الذي لا يثبت إلا لمفترض الطاعة كالوصف لفرض الطاعة ، وهذه الصفة - يعني الاشفاق بالرأفة في الدين - حاصلة للامام عندنا ، فكيف يقال : ان اللفظ لا يليق بالإمامة ، ويليق بمقتضى النبوة . فان قيل : أليس يجب - إذا كان قوله : « ألست أولى بكم » يقتضي فرض طاعته - أن يكون الثاني محمولا عليه ، مع أنه محتمل لغيره ، بل ينبغي أن يحمل على ما يقتضي ظاهره . ألا ترى : أنه لو صرح بغير ما قررهم عليه لكان الكلام صحيحا سائغا . وإنما قدم المقدمة تأكيدا لفرض طاعته ، حتى إذا ذكر أمرا آخر - وان كان مخالفا له - يجب عليهم امتثاله فيه . ويجري ذلك مجرى ما روي عنه صلّى اللّه عليه وآله أنه قال : « إنما أنا لكم مثل الوالد - ثم قال - فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط ، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها » « 1 » وان كان الكلام الثاني يفيد غير ما أفاد الأول . قيل له : قد مضى - فيما تقدم - ما هو جواب عن هذا السؤال . فامّا قول السائل : يجب أن يحمل الكلام على ما يقتضيه لفظه من غير مراعاة للمقدمة فغير صحيح ، لأنه ان أراد بذلك الاقتضاء على سبيل الاحتمال لا على الايجاب فاللفظ ليس يصير - لأجل المقدمة - مقتضيا لغير ما كان مقتضيا له . وإن أراد
--> ( 1 ) بنفس المضمون في ( جامع السيوطي حديث 2580 ) عن مسند أحمد وأبى داود والنسائي وابن ماجة وابن حيان .