الشيخ الطوسي

125

تلخيص الشافي

--> الأسباب وتسبيباتها في وجودها وبقائها وتأثيرها وتحكيم بعضها على بعض ، فقد يعدم السبب ، وقد يبطل تأثيره ، وقد يمنع تأثيره بسبب آخر ، وقد يعدم ما يحسب الناس انه موضوع القانون المقرر ، ويقيم غيره مقامه . وهذا هو مقام البداء والمحو ، والاثبات . وهذا العلم هو ( أمّ الكتاب ) . فالمحو إنما هو لما له نحو ثبوت بتقدير الأسباب وتسبيباتها وسيرها في التسبيب . وعلى ذلك يجري ما روي في ( أصول الكافي ) في صحيحة هشام وحفص عن أبي عبد اللّه ( ع ) : « هل يمحى إلا ما كان ثابتا ، وهل يثبت إلا ما لم يكن ؟ » . . واما البداء - فهو بمعنى الظهور - مأخوذ من بدا يبدو بدوا وبدوا وبداءة وبداء وبدوءا ، فيقال : فلان بدا له في الرأي : اي ظهر له ما كان مخفيا عنه . وفلان برز ، فبدا له من الشجاعة ما كان مخفيا عن الناس . فمعنى ( بدا ) في المثالين واحد ، ولكن الاختلاف فيهما جاء من ناحية اللام وربطها للظهور ، فالبداء المنسوب إلى اللّه جل شأنه إنما هو بمعنى المثال الثاني ، اي : ظهر للّه من المشيئة ما هو مخفي على الناس ، وعلى خلاف ما يحسبون . هذا ما يقتضيه العقل ، ويشهد له من صريح الأحاديث ما رواه في ( أصول الكافي ) في صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه ( ع ) : « ما بدا اللّه في شيء إلا كان في علمه قبل ان يبدو له » . أقول : وان قوله تعالى : « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ، وَيُثْبِتُ ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » ينادي بأن مقام المحو والاثبات هو غير مقام أمّ الكتاب وعلم اللّه المكنون ومشيئته وارادته الأزلية ، بل هو في مقام الظاهر في سير الأسباب وتسبيباتها . . ثم إن مقتضى دلالة العقل والنقل هو ان البداء والمحو لا يقعان فيما اخبر اللّه به أنبياءه وأوصياءهم ، وأخبروا به عنه جل اسمه . اما دلالة العقل فلأن وقوع ذلك يستلزم عدم وثوق الناس بهم وبأخبارهم ، وحمل الناس لهم على الجهل والكذب