محمد المحمدي الگيلاني
45
تكملة شوارق الألهام
أو لا يجوز بل الواجب تعلّق الأمر بالسبب ؟ فذهب طائفة إلى عدم جواز الأمر والطلب بالمسبّب والمتولّد زعما منهم أنّه غير مقدور للمكلّف مضافا إلى أنّه يجب أن يكون المكلّف به فعلا من أفعال المكلّف ، والمسبّب والمتولّد كحركة المفتاح ليس من فعله ، وهو كما ترى ؛ فإنّ الشرط المعتبر في التكليف هو القدرة سواء كانت بالمباشرة أو بالواسطة . وأمّا نقشها في الفقه في مباحث الضمان من كتاب القصاص والديات والغصب وتزاحم الحقوق وغيرها فكالنار على المنار ، فيتبيّن من ذلك أنّ مسألة التوليد لم تكن مسألة كلاميّة محضة بل لها النقش في المسؤولية في الأصول والفقه تكليفا ووضعا . وفرّق بعض الأعاظم « 1 » ممّن قاربنا عصره بين العناوين التوليديّة وبين المسبّبات التوليديّة فقال رحمه اللّه تبيانا لدعواه : إن كان لكلّ من العلّة والمعلول وجود يخصّه مثل طلوع الشمس ووجود النهار المسبّب من طلوع الشمس فهو المسبب التوليدي ، وإن لم يكن كذلك بل كان هناك وجود واحد معنون بعنوانين كالإلقاء والإحراق فهو من العناوين التوليدية والأسباب التي جعلوها موجبة للضمان في مقابل المباشرة ، كلّها ترجع إلى المسبّبات التوليدية ، فتأمّل . وكيف كان فقد استدلّ المصنّف قدّس سرّه بأنّ العقلاء يستحسنون المدح والذمّ في الأفعال التوليديّة والمسبّبات ، ويحكمون باستحقاق الثواب والعقاب عليها ، وذلك يقتضي العلم بكونها من فعل العبد ومخلوقة له قد تعلّق بها قدرته وإن كان بتوسيط الأسباب ، فإنّ الإنسان مكلّف بالأسباب لحصول المسبّبات ، كالتكليف ببناء المعاقل والحصون لدفع العدوّ ، كما قال تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ « 2 » فإنّ ذلك ينتج إرهاب أعداء اللّه وصدّ إغارتهم فتلك الأسباب مأمور بها للوصلة إلى المسبّبات ، فلو لا ارتباط الأسباب بالمسبّبات ومقدوريّتها بها ، لما كلّفنا بها ولما كان هناك مجال لاستحسان العقلاء المدح والذمّ لأجلها .
--> ( 1 ) . هو المحقق العراقي رحمه اللّه . منه . ( 2 ) . الأنفال ( 8 ) : 60 .