محمد المحمدي الگيلاني
29
تكملة شوارق الألهام
تنبيه وإرشاد وليعلم : أنّ المراد بالعقل الحاكم بحسن الشيء أو قبحه بالمعنى الثالث هو العقل العملي في قبال العقل النظري وهما القوتان المدركتان من قوى النفس الإنسانيّة ، وما في نطاق كلّ منهما من الشؤون والإدراكات غير ما في نطاق الأخرى . قال الشيخ رحمه اللّه في الشفاء : « وأخصّ الخواصّ بالإنسان تصوّر المعاني الكلّية العقلية المجرّدة عن المادّة كلّ التجريد على ما حكيناه وبيّنّاه ، والتوصّل إلى معرفة المجهولات تصديقا وتصوّرا من المعلومات العقليّة ، فهذه الأحوال والأفعال المذكورة هي ممّا يوجد للإنسان وجلّها يختصّ به الإنسان وإن كان بعضها بدنيّا ولكنّه موجود لبدن الإنسان بسبب النفس التي للإنسان التي ليست لسائر الحيوان . بل نقول : إنّ للإنسان تصرّفا في أمور جزئية وتصرّفا في أمور كلّية والأمور الكلّية إنّما يكون فيها اعتقاد فقط ولو كان أيضا في عمل ، فإنّ من اعتقد اعتقادا كلّيا أنّ البيت كيف ينبغي أن يبنى فإنّه لا يصدر عن هذا الاعتقاد وحده فعل بيت مخصوص صدورا أوّليّا ؛ فإنّ الأفعال تتناول أمورا جزئية وتصدر عن آراء جزئية ، وذلك لأنّ الكلّي من حيث هو كلّي ليس يختصّ بهذا دون ذلك . . . فتكون للإنسان إذن قوّة تختصّ بالآراء الكلّية وقوّة أخرى تختصّ بالرؤية في الأمور الجزئيّة فيما ينبغي أن يفعل ويترك ممّا ينفع ويضرّ ، وممّا هو جميل وقبيح ، وخير وشر ويكون ذلك بضرب من القياس والتأمّل ، صحيح أو سقيم غايته أنّه يوقع رأيا في أمر جزئي من الأمور الممكنة لأنّ الواجبات والممتنعات لا يروّى فيها لتوجد أو تعدم وما مضى أيضا لا يروّى في إيجاده على أنّه ماض . فإذا أحكمت هذه القوّة تبع حكمها حركة القوة الإجماعية إلى تحريك البدن كما كانت تتبع أحكام قوى أخرى في الحيوانات وتكون هذه القوة استعدادها من القوة التي على الكلّيات فمن هناك تأخذ المقدّمات الكبرى فيما تروّى وتنتج في الجزئيات . فالقوّة الأولى للنّفس الإنسانية قوة تنسب إلى النظر ، فيقال : عقل نظري . وهذه الثانية قوة تنسب إلى العمل ، فيقال : عقل عملي ، وتلك للصدق والكذب ، وهذه للخير والشرّ في