القرطبي

67

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

بعبد اللّه بن مسعود فقال لرجل : « « قم فانظر من أهل الجنة هو أم من أهل النار . قال الرجل : ما يدريني أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار ؟ ! وكيف أنظر ؟ قال : ثناء الناس عليه ، فإنهم شهداء اللّه في الأرض » « 1 » . قال أبو محمد وغير مستنكر إذا أحب اللّه عبدا أمر أن يلقي على ألسنة المسلمين الثناء عليه وفي قلوبهم المحبة له قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا [ مريم : 96 ] . وقال عليه السلام : « إذا أحب اللّه عبدا قال : يا جبريل ؛ إني أحبّ فلانا فأحبه ، قال : فيحبه جبريل ، ثم ينادي في السماء : إن اللّه يحبّ فلانا فأحبّوه ، قال : فيحبّه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض » وذكر في البغضاء مثل ذلك ، وهذا حديث صحيح خرّجه البخاري ومسلم « 2 » . قال أبو محمد عبد الحق : وقد شوهد رجال من المسلمين علماء صالحون كثر الثناء عليهم وصرفت القلوب إليهم في حياتهم وبعد مماتهم ، ومنهم من كثر المشيعون لجنازته وكثر الحاملون لها ، والمشتغلون بها ، وربما كثّر اللّه الخلق بما شاء من الجن المؤمنين أو غيرهم ، مما يكون في صور الناس . ذكر قاسم بن أصبغ قال : حدّثنا أحمد بن زهير ، قال : أخبرنا محمد بن يزيد الرفاعي قال : مات عمرو بن قيس الملائي بناحية فارس ؛ فاجتمع لجنازته من الخلق ما لا يحصى ، فلما دفن نظروا فلم يروا أحدا ، قال الرفاعي : سمعت هذا ممن لا أحصي كثرة ، وكان سفيان الثوري يتبرك بالنظر إلى عمرو بن قيس هذا ! ولما مات أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه صلّى عليه من المسلمين ما لا يحصى ، فأمر المتوكّل أن يمسح موضع الصلاة عليه من الأرض ، فوجد موقف ألفي ألف وثلاث مائة ألف أو نحوها . ولما انتشر خبر موته أقبل الناس من البلاد يصلّون على قبره ، فصلّى عليه ما لا يحصى . ولما مات الأوزاعي رضي اللّه عنه اجتمع للصلاة عليه من الخلق ما لا يحصى وروي أنه أسلم في ذلك اليوم من أهل الذمة اليهود والنصارى نحو من ثلاثين ألفا ، لما رأوا من كثرة الخلق على جنازته ، ولما رأوا من العجب في ذلك اليوم . ولما مات سهل بن عبد اللّه التّستري رحمه اللّه انكبّ الناس على جنازته ، وحضرها من الخلق ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى ، وكانت في البلد ضجة فسمع بها

--> ( 1 ) أخرجه هناد في « الزهد » رقم ( 370 ) بإسناد صحيح . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 7485 ) ومسلم ( 2637 ) .