القرطبي
60
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
المكروهات . والشهوات : كل ما يوافق النفس ويلائمهما وتدعو إليه ويوافقها . وأصل الحفاف : الدائر بالشيء المحيط به ، الذي لا يتوصل إليه إلا بعد أن يتخطى ، فمثّل صلى اللّه عليه وسلم المكاره والشهوات بذلك ، فالجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره والصبر عليها ، والنار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها . وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه مثّل طريق الجنة وطريق النار بتمثيل آخر ؛ فقال : « طريق الجنة حزن بربوة ، وطريق النار سهل بسهوة » ذكره صاحب الشهاب « 1 » . والحزن : هو الطريق الوعر المسلك ، والربوة : هو المكان المرتفع ، وأراد به أعلى ما يكون من الروابي ، والسهوة : بالسين المهملة هو الموضع السهل الذي لا غلظ فيه ولا وعورة . وقال القاضي أبو بكر بن العربي في « سراج المريدين » له : ومعنى قوله عليه السلام : « حفت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات » أي جعلت على حافاتها وهو جوانبها ، ويتوهم الناس أنه ضرب فيها المثل ، فجعله في جوانبها من الخارج ، ولو كان ذلك ما كان مثلا صحيحا وإنما هي من داخل ، وهذه صورته : ( CS ) ( CS ) وعن هذا عبّر ابن مسعود : حفت الجنة بالمكاره ، والنار حفت بالشهوات ، فمن اطلع الحجاب فقد واقع ما وراءه ، وكل من تصورها من خارج فقد ضل عن معنى الحديث وعن حقيقة الحال « 2 » . فإن قيل : فقد حجبت النار بالشهوات . قلنا : المعنى واحد ، لأن الأعمى عن التقوى ، الذي أخذت سمعه وبصره الشهوات يراها ولا يرى النار التي هي فيها ، وإن كانت باستيلاء الجهالة ورين الغفلة على قلبه ، كالطائر يرى الحبة في داخل الفخ وهي محجوبة عنه ، ولا يرى الفخ لغلبة شهوة الحبة على قلبه وتعلّق باله بها ، وجهله بما جعلت فيها وحجبت .
--> ( 1 ) أخرجه القضاعي في « مسند الشهاب » ( 745 ) ، وهو خبر منكر ؛ انظر « ميزان الاعتدال » ( 4 / 275 ) . ( 2 ) انظر « فتح الباري » ( 11 / 328 ) .