القرطبي
420
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وخرج مسلم ، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لا تذهب الليالي والأيام حتى تعبد اللات والعزى ، فقلت : يا رسول اللّه ؛ إن كنت لأظن حين أنزل اللّه : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ التوبة : 33 ] أن ذلك عام . قال : إنه سيكون من ذلك ما شاء اللّه ، ثم يبعث اللّه ريحا طيبة فتتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان ، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم « 1 » » ، واللّه أعلم . فصل ذكر أبو الحسن بن بطال رحمه اللّه هذا الحديث في « شرح البخاري » له مبينا لحديث البخاري عن أبي هريرة قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليّات نساء دوس على ذي الخلصة » الحديث وقد تقدم . وقال : هذه الأحاديث وما جاء فيها معناها الخصوص وليس المراد بها أن الدين كله ينقطع في جميع أقطار الأرض حتى لا يبقى منه شيء ، لأنه قد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة إلا أنه يضعف ويعود غريبا كما بدأ . روى حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن مطرف ، عن عمران بن حصين قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحقّ حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال » « 2 » . وكان مطرف يقول : هم أهل الشام . قلت : ما ذكره من أن الدين لا ينقطع وأن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة ، يرده حديث عائشة وعبد اللّه بن عمرو ، وما ذكره من حديث عمران بن حصين ، وقد تقدم - أن عيسى عليه السلام يقتل الدجال ويخرج يأجوج ومأجوج ويموتون ، ويبقى عيسى عليه السلام ودين الإسلام لا يعبد في الأرض غير اللّه كما تقدم ، وأنه يحج ويحج معه أصحاب الكهف فيما ذكره المفسرون ، وقد تقدم أنهم حواريّه ، إذا نزل فإذا توفي عيسى عليه السلام بعث اللّه تعالى عند ذلك ريحا باردة من قبل الشام فتأخذ تحت آباطهم ، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة ، كذا في حديث النواس بن سمعان الطويل ، وقد تقدم . وفي حديث عبد اللّه بن عمرو : « ثم يرسل اللّه ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير ، أو إيمان إلا قبضته ، حتى لو دخل
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2907 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 4 / 429 ، 437 ) ، وهو في « الصحيحة » ( 1959 ) .