القرطبي
409
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
من المفسرين المتأخرين إن الدابة إنما هي إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا ، فيهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بينة . قال شيخنا أبو العباس : وعلى هذا لا يكون فيها آية خاصة خارقة للعادة ، ولا يكون من جملة العشر آيات المذكورة في الحديث ، لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير فلا آية خاصة فلا ينبغي أن يذكر مع العشر . قلت : فساد ما قاله هذا المتأخر واضح ، وأقوال المفسرين بخلافه . وروي من حديث هشام بن يوسف القاضي أبي عبد الرحمن الصنعاني ، عن رباح بن عبيد اللّه بن عمر ، عن سهل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « بئس الشعب أجياد » قالوا : وفيم ذلك يا رسول اللّه ؟ قال : « تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات فيسمعها من بين الخافقين » « 1 » . لم يتابع رباح على هذا ، أخرج الحديث أبو أحمد بن عدي الجرجاني رحمه اللّه . وعن عمرو بن العاص قال : تخرج الدابة من مكة من شجرة وذلك في أيام الحج فيبلغ رأسها السحاب وما خرجت رجلاها بعد من التراب . ذكره القتبي في « عيون الأخبار » له . وأصح أقوال المفسرين بخلاف ما قال ، وأنها خلق عظيم يخرج من صدع من الصفا لا يفوتها أحد ، فتسم المؤمن فينير وجهه وتكتب بين عينيه : مؤمن ، وتسم الكافر فيسودّ وجهه وتكتب بين عينيه : كافر . وقال عبد اللّه بن عمر : تخرج الدابة من جبل الصفا بمكة ينصدع فتخرج منه ، وقال عبد اللّه بن عمرو نحوه ، وقال لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت ، وروى عن قتادة أنها تخرج من تهامة . وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح . وقيل : من أرض الطائف . وروي عن ابن عمر أنها على خلقة الآدميين ، وهي في السحاب وقوائمها في الأرض . وروي عن ابن الزبير : أنها جمعت من خلق كل حيوان ، فرأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن أيّل وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير ، بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذراعا . ذكره الثعلبي والماوردي وغيرهما .
--> ( 1 ) حديث ضعيف ؛ انظر « المجمع » ( 8 / 7 ) و « ضعيف الجامع » ( 2351 ) .