القرطبي
375
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
يشبهان نبيين من الأنبياء ولو شئت سميتهما بأسمائهما وأسماء آبائهما ، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ، فيقول الدجال : ألست بربكم أحيي وأميت ؟ فيقول أحد الملكين : كذبت ، فلا يسمعه أحد من الناس إلا صاحبه ، فيقول له : صدقت ، فيسمعه الناس فيظنون أنه صدّق الدجال ، فذلك فتنة ، ثم يسير الدجال حتى يأتي المدينة فلا يؤذن له فيقول : هذه قرية ذلك الرجل ، ثم يسير حتى يأتي الشام فيهلكه اللّه عند عقبة أفيق » . قال ابن برجان في كتاب « الإرشاد » له : والذي يغلب على ظني أن النبيين المشبه بهما أحدهما المسيح ابن مريم ، والآخر محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولذلك أنذرا بذلك ووصيّا . وخرّج أبو داود في « سننه » عن عبادة بن الصامت ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إني كنت قد حدثتكم عن المسيخ الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا أن المسيخ الدجال قصير أفحج جعدا أعور مطموس العين ليست بناتئة ولا جحراء ، فإن التبس عليكم فاعلموا أن ربّكم عز وجل ليس بأعور » « 1 » . فصل وصف النبي صلى اللّه عليه وسلم الدجال وصفا لم يبق معه لذي لبّ إشكال ، وتلك الأوصاف كلها ذميمة تبين لكل ذي حاسة سليمة ، لكن من قضى اللّه عليه بالشقاوة تبع الدجال فيما يدّعيه من الكذب والغباوة ، وحرم اتباع الحق ونور التلاوة ، فقوله عليه الصلاة والسلام : « إنه أعور وإن اللّه ليس بأعور » تبيين للعقول القاصرة أو الغافلة على أن من كان ناقصا في ذاته عاجزا عن إزالة نقصه ، لم يصلح أن يكون إلها لعجزه وضعفه ، ومن كان عاجزا عن إزالة نقصه كان أعجز عن نفع غيره وعن مضرته ، وجاء في حديث حذيفة : « أعور العين اليسرى » ، وفي حديث ابن عمر : « أعور العين اليمنى » وقد أشكل الجمع بين الحديثين على كثير من العلماء ، قال : وحتى إن أبا عمر بن عبد البر ، ذكر ذلك في كتاب « التمهيد » له « 2 » . وفي حديث سمرة بن جندب أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : « إن الدجال خارج وهو أعور العين الشمال ، عليها ظفرة غليظة ، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى ويقول للناس : أنا ربكم ، فمن قال : أنت ربي فقد فتن ، ومن قال : ربي اللّه عز وجل حتى يموت على ذلك فقد عصم من فتنته ، ولا فتنة عليه ولا عذاب ، فيلبث في الأرض ما شاء اللّه ، ثم يجيء عيسى عليه السلام من قبل المغرب مصدقا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وعلى ملته فيقتل الدجال ثم إنما هو قيام الساعة » « 3 » .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 4320 ) ، وصححه الألباني . ( 2 ) انظر « التمهيد » ( 14 / 193 - 194 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 5 / 13 ) بإسناد ضعيف .