القرطبي
37
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
مقاتل : إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار ، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا ، حتى إذا هذّبوا وطيّبوا قال لهم رضوان وأصحابه : سَلامٌ عَلَيْكُمْ بمعنى التحية طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [ الزمر : 73 ] . وقد ذكر الدارقطني حديثا ذكر فيه أن الجنة بعد الصراط . قلت : ولعله أراد بعد القنطرة بدليل حديث البخاري - واللّه أعلم . أو يكون ذلك في حق من دخل النار وخرج بالشفاعة فهؤلاء لا يحبسون بل إذا خرجوا بثوا على أنهار الجنة ، على ما يأتي بيانه في الباب بعد هذا - إن شاء اللّه تعالى . وقد صحّ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أصحاب الجدّ محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار يسألون عن فضول أموال كانت بأيديهم » « 1 » . ولا تعارض بين هذا وبين حديث البخاري ، فإن الحديثين مختلفا المعنى لاختلاف أحوال الناس . وكذلك لا تعارض بين قوله عليه السلام : « لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة » وبين قول عبد اللّه بن سلام : « إن الملائكة تدلهم على طريق الجنة يمينا وشمالا » ، فإن هذا يكون فيمن لم يحبس على قنطرة ولم يدخل النار ، فيخرج منها فيطرح على باب الجنة . وقد يحتمل أن يكون ذلك في الجميع ، فإذا وصلت بهم الملائكة إلى باب الجنة كان أحد منهم أعرف بمنزله في الجنة وموضعه فيها منه بمنزله كان في الدنيا - واللّه أعلم - وهو معنى قوله : وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ [ محمد : 6 ] . قال أكثر أهل التفسير : إذا دخل أهل الجنة الجنة يقال لهم : تفرقوا إلى منازلكم ، فهم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم . وقيل : إن هذا التعريف إلى المنازل بدليل ؛ وهو أن الملك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه ، وحديث أبي سعيد الخدري يرده - واللّه أعلم - . * * * 122 باب من دخل النار من الموحّدين مات واحترق ، ثم يخرجون بالشفاعة ( مسلم ) عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار
--> ( 1 ) لم أقف عليه .