القرطبي
38
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم اللّه إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن لهم في الشفاعة ، فيجيء بهم ضبائر ضبائر ، فبثّوا على أنهار الجنة ، ثم قيل : يا أهل الجنة أفيضوا عليهم ، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل » . فقال رجل من القوم : كأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد كان يرعى الغنم بالبادية « 1 » . فصل هذه الموتة للعصاة موتة حقيقية ؛ لأنه أكّدها بالمصدر ، وذلك تكريما لهم حتى لا يحسوا ألم العذاب بعد الاحتراق بخلاف الحي الذي هو من أهلها ومخلد فيها كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [ النساء : 56 ] وقيل يجوز أن تكون إماتتهم عبارة عن تغييبه إياهم عن آلامها بالنوم ولا يكون ذلك موتا على الحقيقة فإن النوم قد يغيب عن كثير من الآلام والملاذ وقد سماه اللّه وفاة ، فقال اللّه تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [ الزمر : 42 ] فهو وفاة وليس بموت على الحقيقة الذي هو خروج الروح عن البدن وكذلك الصعقة قد عبر اللّه بها عن الموت في قوله تعالى : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ الزمر : 68 ] . وأخبر عن موسى عليه السلام أنه خرّ صعقا ، ولم يكن ذلك موتا على الحقيقة ، غير أنه لما غيّب عن أحوال المشاهدة من الملاذ والآلام ، جاز أن يسمى موتا . وكذلك يجوز أن يكون أماتهم ؛ غيّبهم عن الآلام وهم أحياء ، بلطيفة يحدثها اللّه فيهم ، كما غيب النسوة اللاتي قطعن أيديهن بشاهد ظهر لهن ، فغيبهن فيه عن آلامهن ، والتأويل الأول أصح لما ذكرناه من تأكيده بالمصدر ، ولقوله في نفس الحديث : « حتى إذا كانوا فحما » فهم أموات على الحقيقة كما أن أهلها أحياء على الحقيقة وليسوا بأموات . فإن قيل : فما معنى إدخالهم النار وهم فيها غير عالمين ؟ قيل : يجوز أن يدخلهم تأديبا لهم وإن لم يعذبهم فيها ، ويكون صرف نعيم الجنة عنهم مدة كونهم فيها عقوبة لهم كالمحبوسين في السجون ، فإن الحبس عقوبة لهم وإن لم يكن معه غل ولا قيد - واللّه أعلم . وسيأتي لهذا مزيد بيان في أبواب النار - إن شاء اللّه تعالى . وقوله : « ضبائر ضبائر » معناه جماعات جماعات ، الواحدة ضبارة بكسرة الضاد وهي الجماعة من الناس . و « بثوا » : فرّقوا ، و « الحبة » بكسر الحاء ، بزر البقول ، و « حميل السيل » : ما احتمله من غثاء وطين ، وسيأتي بيانه - إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 185 ) .