القرطبي
36
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
كان على الصراط طمس اللّه أبصار أعدائه ، فتهافتوا في النار يمينا وشمالا ، ويمضي النبي صلى اللّه عليه وسلم والصالحون معه ، فتتلقاهم الملائكة رتبا ، فيدلونهم على طريق الجنة على يمينك على شمالك ، حتى ينتهي إلى ربه ، فيوضع له كرسي عن يمين الرحمن ، ثم يتبعهم عيسى عليه السلام على مثل سبيله ، وتتبعه أمّته برّها وفاجرها ، حتى إذا كانوا على الصراط طمس اللّه أبصار أعدائه فتهافتوا في النار يمينا وشمالا ، ويمضي النبي صلى اللّه عليه وسلم والصالحون معه فتلقاهم الملائكة رتبا ، فيدلونهم على طريق الجنة ؛ على يمينك على شمالك حتى ينتهي إلى ربه ، فيوضع له كرسي من الجانب الآخر . ثم يدعى نبي نبي وأمة أمة ، حتى يكون آخرهم نوحا ، رحم اللّه نوحا « 1 » . * * * 121 باب ذكر الصراط الثاني وهو القنطرة التي بين الجنة والنار اعلم رحمك اللّه أن في الآخرة صراطين : أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم ، إلا من دخل الجنة بغير حساب ، أو من يلتقطه عنق النار ، فإذا خلص من خلص من هذا الصراط الأكبر الذي ذكرناه ، ولا يخلص منه إلا المؤمنون الذين علم اللّه منهم أن القصاص لا يستنفد حسناتهم ، حبسوا على آخر خاص لهم ، ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد إن شاء اللّه لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم ، الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه ، وأربى على الحسنات بالقصاص جرمه . ( البخاري ) عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ، فيقتصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا ، حتى إذا هذّبوا ونقّوا أذن لهم في دخول الجنة ، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان له في الدنيا » « 2 » . فصل قلت : معنى « يخلص المؤمنون من النار » أي : يخلصون من الصراط المضروب على النار . ودل هذا الحديث على أن المؤمنين في الآخرة مختلفو الحال . قال
--> ( 1 ) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد « الزهد » ( 398 ) بإسناد ضعيف . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 6535 ) .