القرطبي

354

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

يحدث القوم إذ جاء أعرابي فقال : متى الساعة ؟ فمضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حديثه ، فقال بعد القوم : سمع ما قال ، فكره ما قال ، وقال بعضهم : بل لم يسمع ما قال ، حتى إذا قضى حديثه قال : « أين السائل عن الساعة ؟ » قال : ها أنا ذا يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة » قال : وكيف إضاعتها ؟ قال : « إذا وسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة » « 1 » . قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية رحمه اللّه : الرواية الصحيحة عند جميع رواة البخاري : إذا وسّد ، ورواه الفقيه الإمام المحدث أبو الحسن القابسي : أسّد قال : والذي أحفظ وسّد ، وفي نسخة من البخاري إشكال بين وسّد أو أسّد على ما قيد له ، لأنه كان أعمى ، وهما بمعنى ، قال أهل اللغة : يقال إساد ووساد واشتقاقهما واحد ، يقال : إساد ووسادة ووساد ، فمعنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا وسد الأمر إلى غير أهله » أي : أسند وجعل إليهم وقلدوه بمعنى الإمارة كما في زماننا اليوم ، لأن اللّه تعالى ائتمن الأئمة والولاة على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » « 2 » . فينبغي لهم تولية أهل الدين والأمانة للنظر في أمور الأمة ، فإذا قلّدوا غير أهل الدين فقد ضيّعوا الأمانة التي فرض اللّه عليهم . وخرج مسلم من حديث جبريل الطويل وفيه قال : « أخبرني عن الساعة قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل . قال : فأخبرني عن أماراتها ؟ قال : أن تلد الأمة ربّتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان » . وفي رواية : « إذا رأيت المرأة تلد ربّها فذاك من أشراطها وإذا رأيت الحفاة العراة الصمّ البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها » . ( الترمذي ) عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع » « 3 » . قال : حديث حسن غريب ، إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمرو . وخرج الغيلاني أبو طالب محمد ؛ حدّثنا أبو بكر والشافعي ، حدثنا موسى بن سهل بن كثير ، أخبرنا يزيد بن هارون ، أخبرنا محمد بن عبد الملك بن قدامة ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « سيأتي على الناس سنوات خدّاعات ، يصدّق فيها الكاذب ويكذّب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ، ويخوّن فيها

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 59 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 893 ) ومسلم ( 1829 ) . ( 3 ) أخرجه الترمذي ( 2209 ) ، وصححه الألباني .