القرطبي

355

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

الأمين ، وينطق فيها الرويبضة » . قيل : يا رسول اللّه ؛ وما الرويبضة ؟ قال : « الرجل التافه ينطق في أمر العامة » « 1 » . وقال أبو عبيد : التافة : الرجل الخسيس ، الخامل من الناس ، وكذلك كل شيء خسيس فهو تافه . قال : ومما يثبت حديث الرويبضة الحديث الآخر أنه قال : « من أشراط الساعة أن ترى رعاء الشاء رؤوس الناس ، وأن ترى العراة الحفاة يتبارون في البنيان ، وأن تلد الأمة ربّتها » . وذكر أبو عبيد في « الغريب » له في حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل ويخون الأمين ويؤتمن الخائن وتهلك الوعول ويظهر التحوت » قالوا : يا رسول اللّه ؛ وما الوعول ، وما التحوت ؟ قال : « الوعول وجوه الناس ، والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس ، لا يعلم بهم » « 2 » . وأسند أبو نعيم عن حذيفة مرفوعا : « من أشراط الساعة علوّ أهل الفسق في المساجد ، وظهور أهل المنكر على أهل المعروف » . فقال أعرابي : فما تأمرني يا رسول اللّه ؟ قال : « دع وكن حلسا من أحلاس بيتك » . وفي معناه أنشدوا : أيا دهر أعملت فينا أذاكا * ووليتنا بعد وجه قفاكا قلبت الشرار علينا رءوسا * وأجلست سفلتنا مستواكا فيا دهر إن كنت عاديتنا * فها قد صنعت بنا ما كفاكا وقال آخر : ذهب الرجال الأكرمون ذوو الحجا * والمنكرون لكلّ أمر منكر وبقيت في خلف يزين بعضهم * بعضا ليدفع مغرور عن معور فصل قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : ما أخبر به النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذا الباب وغيره مما تقدم ويأتي قد ظهر أكثره وشاع في الناس معظمه ، فوسد الأمر إلى غير أهله وصار رؤوس الناس أسافلهم عبيدهم وجهالهم ، فيملكون البلاد والحكم في العباد ، فيجمعون الأموال ويطيلون البنيان ، كما هو مشاهد في هذه الأزمان ، فلا يسمعون موعظة ولا ينزجرون عن معصية ، فهم صم بكم عمي . قال قتادة : صم عن استماع الحق ، بكم عن التكلم به ، عمي عن الإبصار له ، وهذه صفة أهل البادية والجهالة .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 2 / 291 ) وغيره ، وهو حديث حسن ؛ انظر « الصحيحة » رقم ( 1887 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 2 / 162 ) ، وهو حديث صحيح .