القرطبي
349
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
والرعاة في اللغة : جمع راع ، وضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بهذا مثلا لوالي السوء ؛ لأن الحطمة هو الذي يعنف بالإبل في السوق والإيراد والإصدار ، فيحطمها أي : يكسرها ولا يكاد يسلم من فساده شيء ، وسوّاق حطم كذلك يعنف في سوقه . وقوله : « حتى تخرج نار من أرض الحجاز » ؛ فقد خرجت نار عظيمة وكان بدؤها زلزلة عظيمة ، وذلك ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة ، إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت ، وظهرت النار بقرطبة عند قاع التنعيم بطرف الحرة يحيط بها ثري في صورة البلد العظيم ، كأعظم ما يكون البلدان ، عليها سور يحيط بها عليه شرافات كشرافات الحصون ، وأبراج ومآذن ويرى رجال يقودونها لا تمرّ على جبل إلا دكّته وأذابته ، ويخرج من مجموع ذلك نهر أحمر ونهر أزرق له دويّ كدويّ الرعد ، يأخذ الصخور والجبال بين يديه وينتهي إلى البحرة محط الركب العراقي ، فاجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم وانتهت النار إلى قرب المدينة ، وكان يلي المدينة ببركة النبي صلى اللّه عليه وسلم نسيم بارد ، ويشاهد من هذه النار غليان كغليان البحر ، وانتهت إلى قرية من قرى اليمن فأحرقتها . قال لي بعض أصحابنا . ولقد رأيتها صاعدة في الهواء من جحر مسيرة خمسة أيام من المدينة . قلت : وسمعت أنها رئيت من مكة ومن جبال بصرى من بعد هذه النار أخرى أرضية بحرم المدينة أحرقت جميع الحرم ، حتى إنها أذابت الرصاص التي عليها العمد فوقعت ولم يبق غير السور واقفا ، ونشأ بعد ذلك أخذ بغداد بتغلب التتر عليها ، فقتل من كان فيها وسباه ، وذلك عمود الإسلام وماؤه ، فانتشر الخوف وعظم الكرب وعمّ الرّعب ، وكثر الحزن ، فانتشر التتر في البلاد وبقي الناس حيارى سكارى بغير خليفة ولا إمام ، ولا قضاء ، فزادت المحنة وعظمت الفتنة . لو لم يتدارك اللّه سبحانه بالعفو والفضل والمنة . أما قوله : « وستخرج نار من حضرموت أو من نحو حضرموت قبل القيامة » فلعلها النار التي جاء ذكرها في حديث حذيفة . قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لتقصدنكم اليوم نار هي اليوم خامدة في واد يقال له برهوت ، يغشى الناس فيها عذاب أليم ، تأكل الأنفس والأموال ، تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام ، تطير طير الريح والسحاب ، حرّها بالليل أشد من حرها بالنهار ، ولها بين الأرض والسماء دويّ كدوي الرعد القاصف ، هي من رؤوس الخلائق أدنى من العرش » . قلت : يا رسول اللّه ؛ هي يومئذ على المؤمنين والمؤمنات ؟ قال : « وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذ ؟ هم شر من الحمر ، يتسافدون كما تتسافد البهائم ، وليس فيهم رجل