القرطبي

348

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

ويفيض ، وحتى يخرج الرجل زكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه ، وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا » « 1 » . فصل حول ذي الخلصة والخلصة ثبت حديث ذي الخلصة في الصحيحين ؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث جرير بن عبد اللّه البجلي إلى هذا البيت ، قال جرير : فنفرت إليها في مائة وخمسين من أحمس ، فكسرناه وقتلنا من وجدنا عنده « 2 » . قال أبو الخطاب بن دحية : وذو الخلصة بضم الخاء واللام في قول أهل اللغة والسير ، وبفتحها ؛ قيّدناه في الصحيحين وكذا قال ابن هشام ، وقيده الإمام أبو الوليد الكناني الوقشي بفتح الخاء وسكون اللام ، وكذا قال ابن زيد ، واختلف فيه ؛ فقيل : هو بيت أصنام كان لدوس وخثعم وبجيلة ، ومن كان ببلادهم من العرب . وقيل : هو صنم كان عمرو بن لحي نصبه بأسفل مكة حتى نصبت الأصنام في مواضع شتى ، وكانوا يلبسونه القلائد ويعلقون عليه بيض النعام ويذبحون عنده ، وقيل : ذو الخلصة ؛ هي الكعبة اليمانية فكان معناهم في تسميتها بذلك أن عبادة خالصة . والمعنى المراد بالحديث : أنهم يرتدّون ويرجعون إلى جاهليتهم في عبادة الأوثان ، فترسل نساء دوس طائفات حوله فترتج أردافهن عند ذلك ، في آخر الزمان ، وذلك بعد موت جميع من في قلبه مثقال حبة من إيمان ، وهو كما جاء في حديث عائشة رضي اللّه عنها ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا تذهب الليالي والأيام حتى تعبد اللات والعزى » الحديث وسيأتي بكماله . وقوله : « يسوق الناس بعصاه » : كناية عن استقامة الناس وانقيادهم إليه واتفاقهم عليه ، ولم يرد نفس العصا ، وإنما ضرب بها مثلا لطاعتهم له واستيلائه عليهم ، إلا أن في ذكرها دليلا على خشونته عليهم وعسفه بهم . وقد قيل : إنه يسوقهم بعصاه كما تساق الإبل والماشية ، وذلك لشدة عنفه وعدواه ولعل هذا الرجل القحطاني هو الرجل الذي يقال له الجهجاه ، وأصل الجهجهة الصياح بالسبع ، يقال : جهجهت بالسبع أي زجرته بالصياح ويقال : جهجه عني أي انته . وهذه الصفة توافق ذكر العصا واللّه أعلم . وثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من رواية عائذ بن عمرو - وكان ممن بايع تحت الشجرة - قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن شر الرعاء الحطمة » « 3 » .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 157 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3823 ) ومسلم ( 2476 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 1830 ) .