القرطبي

24

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

حسن ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسير سورة ن والقلم ، فقال : حدّثنا الخليل بن أحمد قال : حدّثنا ابن منيع قال : حدّثنا هدبة قال : حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمارة عن بردة بن أبي موسى قال : حدّثني أبي قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل التوحيد فيقال لهم : ما تنتظرون وقد ذهب الناس ؟ فيقولون : إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا ولم نره ، قال : وتعرفونه إذ رأيتموه ؟ فيقولون نعم ، فقال : فكيف تعرفونه ولم تروه ؟ قالوا : إنه لا شبيه له ، فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى اللّه تعالى فيخرون له سجدا وتبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر فيريدون السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [ القلم : 42 ] فيقول اللّه تعالى عبادي ارفعوا رءوسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم من اليهود والنصارى في النار « 1 » . قال أبو بردة : فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال : آللّه الذي لا إله إلا هو حدّثك أبوك بهذا الحديث ؟ فحلفت له ثلاث أيمان فقال عمر : ما سمعت من أهل التوحيد حديثا هو أحب إليّ من هذا . قال المؤلف : فهذا الحديث يبين لك معنى كشف الساق وأنه عبارة عن رؤيته سبحانه وهو معنى ما في صحيح مسلم ، والحديث يفسر بعضه بعضا فلا إشكال فيه ، والحمد للّه . وقد ذكر البيهقي عن روح بن جناح عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ قال : « عن نور عظيم يخرون له سجدا » « 2 » . تفرد به روح بن جناح ، وهو شامي يأتي بأحاديث منكرة لا يتابع عليها ، وموالي عمر بن عبد العزيز فيهم كثرة . قال المؤلف : الحديث الذي قبله أبين وأصح إسنادا فليعول عليه . وقد هاب الإمام أبو حامد الغزالي القول فيه وأشفق من تأويله فقال في كتاب « كشف علوم الآخرة » : ثم يكشف الجليل عن ساقه فيسجد الناس كلهم تعظيما له وتواضعا إلا الكفار الذين قد أشركوا به أيام حياتهم ، وعبدة الحجارة والخشب ، وما لم ينزل به سلطانا فإن صياصي أصلابهم تعود حديدا فلا يقدرون على السجود وهو قوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ .

--> ( 1 ) إسناده تالف . ( 2 ) أخرجه البيهقي في « الأسماء والصفات » ص 348 ، وأبو يعلى كما في « فتح الباري » ( 8 / 531 ) ، وضعف إسناده الحافظ هناك .