القرطبي

155

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

ذا الذي يقدر أن يصف حسنهن ؟ فانظر ما هنالك ، وفي الأوليين ذكر بأنهن قاصرات الطرف وكأنهن الياقوت والمرجان ؛ فانظر كم بين الخيرة وهي مختارة اللّه وبين قاصرات الطرف ؟ ثم قال : حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ [ الرحمن : 72 ] وقال في الأوليين : فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ [ الرحمن : 56 ] قصرن طرفهن على الأزواج ، ولم يذكر أنهن مقصورات ، فدل على أن المقصورات أعلى وأفضل . وقد بلغنا في الرواية : أن سحابة مطرت من العرش فخلقن من قطرات الرحمة ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطئ الأنهار ، سعتها أربعون ميلا وليس لها باب ، حتى إذا حل ولي اللّه بالخيمة انصدعت الخيمة عن باب ، ليعلم ولي اللّه أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها وهي مقصورة قد قصر بها عن أبصار المخلوقين ، واللّه أعلم . ثم قال : مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ اختلف في الرفرف ، ما هو ؟ فقيل : كسر الخباء وجوانب الدرع وما تدلى منها ، الواحدة رفرفة . وقيل : الرفرفة شيء إذا استوى عليه صاحبه رفرف به وأهوى به كالمرجاح يمينا وشمالا ، ورفعا وخفضا . يتلذذ به مع أنيسته ، واشتقاقه على هذا من رف يرف إذا ارتفع ، ومنه رفة الطائر لتحريكه جناحيه في الهواء وربما سمي الظليم رفرفا بذلك ، لأنه يرف بجناحيه ثم يعدو . ورفرف الطائر أيضا ؛ إذا حرّك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه . قال الترمذي الحكيم : فالرفرف أعظم خطرا من العرش . وذكر في الأوليين : مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وقال هنا : مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ فالرفرف هو مستقر الولي على شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به ، أي طار به هكذا وهكذا حيث ما يريد كالمرجاح . وروي لنا في حديث المعراج : « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما بلغ سدرة المنتهى جاءه الرفرف فتناوله من جبريل وطار به إلى سند العرش ، فذكر أنه طار بي يخفضني ويرفعني حتى وقف بي على ربي ، ثم لما حان الانصراف تناوله فطار به خفضا ورفعا يهوي به حتى أدله إلى جبريل صلوات اللّه عليهما ، وجبريل يبكي ويرفع صوته بالتحميد » . والرفرف خادم من الخدم بين يديّ اللّه تعالى له خواص الأمور في محل الدنو والقربة ، كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء صلوات اللّه عليهم مخصوصة بذلك في أرضه . فهذا الرفرف الذي سخّره اللّه لأجل الجنتين الدانيتين هو متكأهما وفرشهما ، يرفرف بالولي على حافات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات الحسان .