القرطبي
152
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
177 باب منه ، وهل تفضل جنة جنة ؟ قال اللّه تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] ثم وصفهما ، ثم قال بعد ذلك : وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ [ الرحمن : 62 ] . وعن ابن عباس في تأويل قوله تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ أي : بعد أداء الفرائض جنتان ، قيل : على حدة ؛ فلكل خائف جنتان . وقيل : جنتان لجميع الخائفين ، والأول أظهر . قال الترمذي محمد بن علي : جنة لخوفه من ربه ، وجنة لتركه لشهوته . والمقام : الموضع ، أي : خاف مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية . وقيل : خاف مقام ربه عليه ، أي : إشرافه واطلاعه عليه ، بيانه : أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الرعد : 33 ] . وقال مجاهد والنخعي : هو الرجل يهمّ بالمعصية فيذكر اللّه ، فيدعها من خوفه . وروي عن ابن عباس ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الجنتان بستانان في عرض الجنة ، كل بستان مسيرة مائة عام ، في وسط كلّ بستان دار من نور على نور ، وليس منها شيء إلا يهتز نعمة وخضرة ، قرارها ثابت وشجرها نابت » . ذكره الهروي والثعلبي أيضا من حديث أبي هريرة . وقيل : إن إحدى الجنتين أسافل القصور ، والأخرى أعاليها . وقال مقاتل : هما جنة عدن وجنة النعيم . وقوله : وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ قال ابن عباس : أي : وله من دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان . قال ابن عباس : ومن دونهما ؛ أي : في الدرج ، والجنات لمن خاف مقام ربه فيكون في الأوليين : النخل والشجر ، وفي الأخريين : الزرع والنبات وما انبسط . قال الماوردي : ويحتمل أن يكون وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ لأتباعه لقصور منزلتهم عن منزلته ، إحداهما للحور العين ، والأخرى للولدان المخلّدين ليتميز فيها الذكور من الإناث . وقال ابن جريج : هي أربع جنان ؛ جنتان منها للسابقين المقربين ؛ فيهما من كل فاكهة زوجان وعينان تجريان ، وجنتان لأصحاب اليمين ؛ فيهما فاكهة ونخل ورمان ، وفيهما عينان نضاختان .