القرطبي
153
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وقال : ابن زيد : الأوليان من ذهب للمقربين ، والأخريان من ورق لأصحاب اليمين . قال المؤلف - رحمه اللّه - : وإلى هذا ذهب الحليمي أبو عبد اللّه الحسن بن الحسين في كتاب « منهاج الدين » له واحتجّ بما روى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ؛ وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ إلى قوله : مُدْهامَّتانِ [ الرحمن : 46 - 64 ] قال : هاتان للمقربين ، وهاتان لأصحاب اليمين . وعن أبي موسى الأشعري نحو ذلك . ولما وصف اللّه الجنتين أشار إلى الفرق بينهما ، فقال في الأوليين : فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ [ الرحمن : 50 ] وفي الأخريين : فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ [ الرحمن : 66 ] أي : فوارتان بالماء ، لكنهما ليستا كالجاريتين لأن النضخ دون الجري ، وقال في الأوليين : فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ [ الرحمن : 52 ] معروف وغريب أو رطب ويابس ، فعم ولم يخص ، وفي الأخريين : فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [ الرحمن : 68 ] ولم يقل من كل فاكهة ، وقال في الأوليين : مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ [ الرحمن : 54 ] وهو الديباج ، وفي الأخريين : مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ [ الرحمن : 76 ] والعبقري : الوشي . ولا شك أن الديباج أعلى من الوشي ، والرفرف : كسر الخباء ، ولا شك أن الفرش المعدة للاتكاء عليها أفضل من فضل الخباء . وقال في الأوليين في صفة الحور العين : كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ [ الرحمن : 58 ] وفي الأخريين : فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ [ الرحمن : 70 ] وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان . وقال في الأوليين : ذَواتا أَفْنانٍ [ الرحمن : 48 ] وفي الأخريين : مُدْهامَّتانِ أي : خضراوان كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان . ووصف الأوليين بكثرة الأغصان ، والأخريين بالخضرة وحدها ، وفي هذا كله تحقيق للمعنى الذي قصدناه في قوله : وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ ولعل ما لم يذكره من تفاوت ما بينهما يكثر مما ذكر . فإن قيل : كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين ، كما ذكر أهل الجنتين الأوليين ؟ قيل : الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه ، إلا أن الخائفين لهم مراتب ؛ فالجنتان الأوليان لأعلى العباد رتبة في الخوف من اللّه تعالى ، والجنتان الأخريان لمن قصر حاله في الخوف من اللّه تعالى . قال المؤلف - رحمه اللّه - : فهذا قول ، والقول الثاني : أن الجنتين في قوله تعالى : وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ أعلى وأفضل من الأوليين ، ذهب إلى هذا الضحاك ، وأن الجنتين الأوليين من ذهب وفضة ، والأخريين من ياقوت وزمرد .