القرطبي
150
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
قال الترمذي : والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة رضي اللّه عنهم ؛ مثل سفيان الثوري ، ومالك بن أنس ، وابن المبارك ، وابن عيينة ، ووكيع وغيرهم ، أنهم رووا هذه الأشياء ، وقالوا : ونروي هذه الأحاديث ، ولا يقال : كيف ؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء ويؤمن بها ولا تفسّر ولا تتوهّم ، ولا يقال : كيف ؟ وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه . قال المؤلف - رحمه اللّه - : وإنما يؤتى بالموت كالكبش - واللّه أعلم - لما جاء أن ملك الموت أتى آدم عليه السلام في صورة كبش أملح ، قد نشر من أجنحته أربعة آلاف جناح على ما تقدم أول الكتاب ، في باب : ما جاء في صفة ملك الموت عند قبض روح المؤمن والكافر . وفي التفسير من سورة الملك عن ابن عباس ومقاتل والكلبي في قوله : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [ الملك : 2 ] أن الموت والحياة جسمان ، فجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات ، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء ، وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم السلام يركبونها ، خطوها مدّ البصر ، فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء يجد ريحها إلا حيي ، ولا تطأ على شيء إلا حيي وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاها على العجل فحيي . حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس ، والماوردي عن مقاتل والكلبي . ومعنى يشرئبون : يرفعون رؤوسهم . والأملح من الكباش : الذي يكون فيه بياض وسواد ، والبياض أكثر . قاله الكسائي . وقال ابن الأعرابي وهو النقي البياض . وذكر صاحب « خلع النعلين » : أن هذا الكبش المذبوح بين الجنة والنار ؛ أن الذي يتولى ذبحه يحيى بن زكريا عليهما السلام ، بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وبأمره الأكرم . وذكر في ذبحه كلاما مناسبا لحياة أهل الجنة وحياة أهل النار . وذكر صاحب كتاب العروس : أن الذي يذبحه جبريل عليه السلام ، فاللّه أعلم . تم كتاب النار بحمد اللّه العزيز الغفار ، أجارنا اللّه منها بمنه وبفضله وكرمه ، لا رب سواه ، ولا معبود إلا إياه ، لا إله إلا هو العزيز الغفار ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل .