القرطبي
131
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ [ الصافات : 27 ] ينبح بعضهم في وجه بعض وأطبقت عليهم . قال : فحدثني الأزهر بن أبي الأزهر ، أنه ذكر له أن ذلك قوله تعالى : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [ المرسلات : 35 ، 36 ] . قال ابن المبارك : وحدّثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، فذكره عن أبي أيوب ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص : إن أهل جهنم يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما ثم يرد عليهم : إِنَّكُمْ ماكِثُونَ [ الزخرف : 77 ] . قال : هانت واللّه دعوتهم على مالك ، ورب مالك . قال : ثم يدعون ربهم . قال فيقولون : رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ . قال فسكت عنهم قدر الدنيا مرتين : قال ثم يرد عليهم : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ . قال : فو اللّه ما نبس القوم بعدها بكلمة ؛ وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم « 1 » . فشبه أصواتهم بصوت الحمير ، أولها زفير وآخرها شهيق . ومعنى ما نبس : ما تكلم . قال الجوهري : يقال ما نبس بكلمة ، أي : ما تكلم . وما نبّس بالتشديد أيضا . وقال الراجز : إن كنت غير هالك فنبّس ( الترمذي ) عن شهر بن حوشب ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يلقى على أهل النار الجوع مع ما هم فيه من العذاب فيستغيثون فيغاثون بطعام من ضريع ، لا يسمن ولا يغني من جوع ، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب ؛ فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد ، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم ، فيقولون : ادعوا خزنة جهنم ، فيقولون : أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [ غافر : 50 ] قال فيقولون : ادعوا مالكا ، فيقولون : يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [ الزخرف : 77 ] قال فيجيبهم : إِنَّكُمْ ماكِثُونَ [ الزخرف : 77 ] » .
--> ( 1 ) أخرجه ابن المبارك في زوائد « الزهد » ( 319 ) .