القرطبي
130
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
فَأَخْلَفْتُكُمْ إلى قوله : ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ [ إبراهيم : 22 ] يقول : بمغن عنكم شيئا وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [ إبراهيم : 22 ] . قال : فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم ، قال : فنودوا لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إلى قوله : فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [ غافر : 10 ، 11 ] . قال : فرد عليهم ذلك بأنه : إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [ غافر : 12 ] . قال فهذه واحدة : فنادوا الثانية : رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [ السجدة : 12 ] . قال : فيرد عليهم : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها [ السجدة : 13 ] . يقول : لو شئت لهديت الناس جميعا فلم يختلف منهم أحد وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ السجدة : 13 ، 14 ] . قال : فهذه ثنتان ؛ فنادوا الثالثة : رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ [ إبراهيم : 44 ] . فيرد عليهم : أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إلى قوله : الْجِبالُ [ إبراهيم : 44 - 46 ] . قال : فهذه الثالثة . قال : ثم نادوا الرابعة : رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [ فاطر : 37 ] . قال فيجيبهم : أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [ فاطر : 37 ] . ثم مكث عنهم ما شاء اللّه . ثم ناداهم : أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [ المؤمنون : 105 ] . قال : فلما سمعوا صوته قالوا : الآن يرضى ربنا عنا ، فقالوا عند ذلك : رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا [ المؤمنون : 106 ] - أي : الكتاب الذي كتب علينا - وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ [ المؤمنون : 106 ، 107 ] فقال عند ذلك : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [ المؤمنون : 108 ] فانقطع عن ذلك الرجاء والدعاء