القرطبي

125

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

يوسف الأعشى ، قال : حدّثني محمد بن مسلم الطائفي ، قال : حدّثني إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس ، عن عبد اللّه بن عمرو قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الجلاوزة والشرط أعوان الظلمة كلاب النار » « 1 » . غريب من حديث طاوس ، تفرد به محمد بن مسلم الطائفي ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس . الجلاوزة : جمع جلواز ، قال الجوهري : والجلواز الشرطي ، والجمع : الجلاوزة . فصل قال بعض السادة : أشد الناس حسرة يوم القيامة ثلاثة : رجل ملك عبدا فعلّمه شرائع الإسلام ، فأطاع وأحسن وعصى السيد ، فإذا كان يوم القيامة أمر بالعبد إلى الجنة ، وأمر بسيده إلى النار ، فيقول عند ذلك : وا حسرتاه ! وا غبناه ! أما هذا عبدي ! أما كنت مالكا لمهجته وماله ؟ وقادرا على جميع ماله ؟ فما له سعد ، وما لي شقيت ؟ فيناديه الملك الموكل به : لأنه تأدّب وما تأدبت ، وأحسن وأسأت . ورجل كسب مالا فعصى اللّه تعالى في جمعه ومنعه ولم يقدمه بين يديه ، حتى صار إلى وارثه ، فأحسن في إنفاقه وأطاع اللّه سبحانه في إخراجه ، وقدّمه بين يديه ، فإذا كان يوم القيامة أمر بالوارث إلى الجنة ، وأمر بصاحب المال إلى النار ، فيقول : وحسرتاه ! وا غبناه ! أما هذا مالي ؛ فما أحسنت به أحوالي وأعمالي ؟ فيناديه الملك الموكل به : لأنه أطاع اللّه ، وما أطعت ، وأنفق لوجهه وما أنفقت ، فسعد وشقيت . ورجل علّم قوما ووعظهم فعملوا بقوله ولم يعمل ؛ فإذا كان يوم القيامة أمر بهم إلى الجنة ، وأمر به إلى النار ، فيقول : وا حسرتاه ! وا غبناه ! أما هذا علمي ؟ فما لهم فازوا به وما فزت ؟ وسلموا به وما سلمت ؟ فيناديه الملك الموكل به : لأنهم عملوا بما قلت ، وما عملت ، فسعدوا وشقيت . ذكره أبو الفرج بن الجوزي . فصل قال إبراهيم النخعي رضي اللّه عنه : إني لأكره القصص لثلاث آيات : قوله تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 44 ] وقوله تعالى : لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ [ الصف : 2 ، 3 ] وقوله تعالى : وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ [ هود : 88 ] . قلت : وألفاظ هذه الآيات تدل مع ما ذكرناه من الأحاديث على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف وبالمنكر ، وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن

--> ( 1 ) أخرجه أبو نعيم ( 4 / 21 ) بإسناد ضعيف .