القرطبي

126

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

لم يعلمه وإنما كان كذلك لأنه كالمستهين بحرمات اللّه ، ومستحق لأحكامه ، وهو كمن لم ينتفع بعلمه . وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه اللّه بعلمه » وقد تقدم . وروى أبو أمامة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن الذين يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم يجرون قصبهم في نار جهنم ، فيقال لهم : من أنتم ؟ فيقولون : نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا » « 1 » . وقوله : تندلق ، أي : تخرج ، والاندلاق : الخروج بسرعة ، يقال : اندلق السيف ؛ خرج من غمده . وروي : فتنفلق ، بدل فتندلق . والأقتاب : الأمعاء ، واحدها : قتب ، بكسر القاف ، وقال الأصمعي : واحدها : قتيبة ، ويقال لها أيضا : الأقصاب ، واحدها : قصبة ، قاله أبو عبيد . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « رأيت عمرو بن لحي يجرّ قصبه في النار ، وهو أول من سيّب السوائب » « 2 » . قلت : إن قال قائل : قد تقدّم من حديث أبي سعيد الخدري أن من ليس من أهل النار إذا دخلوها أحرقوا فيها وماتوا ، على ما ذكرتموه في أصح القولين ، وهذه الأحاديث التي جاءت في العصاة بخلافه ، فكيف الجمع بينهما ؟ قيل له : الجمع ممكن ، وذلك - واللّه أعلم - أن أهل النار الذين هم أهلها ، كما قال اللّه تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [ النساء : 56 ] قال الحسن : تنضجهم النار في اليوم سبعين ألف مرة ، والعصاة بخلاف هؤلاء فيعذبون وبعد ذلك يموتون . وقد تختلف أيضا أحوالهم في طول التعذيب بحسب جرائمهم وآثامهم . وقد قيل : إنه يجوز أن يكونوا متألمين حالة موتهم ، غير أن آلام المؤمنين تكون أخف من آلام الكفار ، لأن آلام المعذبين وهم موتى أخف من عذابهم وهم أحياء ، دليله قوله تعالى : وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ غافر : 45 ، 46 ] فأخبر أن عذابهم إذا بعثوا أشد من عذابهم وهم موتى .

--> ( 1 ) أخرجه الأصبهاني في « الترغيب والترهيب » رقم ( 2136 ) بإسناد ضعيف ، وأورده المصنف في « تفسيره » ( 1 / 365 ، 366 ) وتكلّم على إسناده هناك ؛ فانظره غير مأمور . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3521 ) ومسلم ( 2856 ) .