القرطبي

97

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

المنام ، قال لها : فما سبب أمرك ؟ قالت : مرّ بمقبرتنا رجل فصلى على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وكان في المقبرة خمسمائة وستون إنسانا في العذاب ؛ فنودي : ارفعوا العذاب عنهم ببركة صلاة هذا الرجل على النبي صلى اللّه عليه وسلم ! ! وقال بعضهم : مات أخ لي فرأيته في المنام فقلت : ما كان حالك حين وضعت في قبرك ؟ قال : أتاني آت بشهاب من نار ، فلولا أنّ داعيا دعا لي لرأيت أنه سيضربني به . والحكايات عن الصالحين بهذا المعنى كثيرة ، ذكرها أبو محمد عبد الحق في كتاب « العاقبة » له . وقد ذكر في هذا المعنى أبو محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة رضي اللّه عنه في كتاب « عيون الأخبار » له حكاية فيها طول ، رأينا ذكرها لاشتمالها على وعظ وتذكير وتخويف وتحذير وتضرع وابتهال ، ودعاء بالموت والانتقال . روي عن الحارث بن نبهان أنه قال : كنت أخرج إلى الجبّانات فأترحّم على أهل القبور ، وأتفكر وأعتبر ، وأنظر إليهم سكوتا لا يتكلمون ، وجيرانا لا يتزاورون ، وقد صار لهم من بطن الأرض وطاء ، ومن ظهرها غطاء ، وأنادي : يا أهل القبور ! محيّت من الدنيا آثاركم ، وما محيّت عنكم أوزاركم ، وسكنتم دار البلاء فتورمت أقدامكم ، قال : ثم يبكي بكاء شديدا ، ثم يميل إلى قبة فيها قبر فينام في ظلها . قال : فبينما أنا نائم إلى جانب القبر ؛ إذ أنا بحس مقمعة يضرب بها صاحب القبر ، وأنا أنظر إليه والسلسلة في عنقه ، وقد ازرقّت عيناه ، واسودّ وجهه ، وهو يقول : يا ويلي ما ذا حل بي ، لو رآني أهل الدنيا ما ركبوا معاصي اللّه أبدا ، طولبت واللّه باللذات ؛ فأوبقتني ، وبالخطايا فأغرقتني ، فهل من شافع لي أو مخبر أهلي بأمري ؟ ! قال الحارث : فاستيقظت مرعوبا ، وكاد أن يخرج قلبي من هول ما رأيت ، فمضيت إلى داري ، وبتّ ليلتي وأنا متفكّر فيما رأيت ، فلما أصبحت قلت : دعني أعود إلى الموضع الذي كنت فيه ، لعلي أجد به أحدا من زوّار القبور فأعلمه بالذي رأيت ، قال : فمضيت إلى المكان الذي كنت فيه بالأمس ، فلم أر أحدا ، فأخذني النوم فنمت ، فإذا أنا بصاحب القبر وهو يسحب على وجهه ويقول : يا ويلتاه ما ذا حل بي ، ساء في الدنيا عملي ، وطال فيها أجلي ، حتى غضب عليّ ربّ الأرباب ، فالويل لي إن لم يرحمني ربي . قال الحارث : فاستيقظت وقد تولّه عقلي بما رأيت وسمعت ، فمشيت إلى