القرطبي

98

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

داري وبتّ ليلتي ، فلما أصبحت أتيت القبر ، لعلي أجد أحدا من زوّار القبور فأعلمه بما رأيت ثم نمت ، فإذا أنا بصاحب القبر قد قرن بين قدميه ، وهو يقول : ما أغفل أهل الدنيا عني ، ضوعف عليّ العذاب ، وتقطّعت عني الحيل والأسباب ، وغضب عليّ ربّ الأرباب ، وغلق في وجهي كل باب ، فالويل لي إن لم يرحمني ربي العزيز الوهاب . قال الحارث : فاستيقظت من منامي مرعوبا ، وهممت بالانصراف فإذا بثلاث جوار قد أقبلن ، فتباعدت لهن عن القبر وتواريت لكي أسمع كلامهن ، فتقدمت الصغرى ووقفت على القبر وقالت : السلام عليكم يا أبتاه ! كيف هدوؤك في مضجعك ؟ وكيف قرارك في موضعك ؟ ذهبت عنا بودّك ، وانقطع عنا سؤالك ، فما أشد حسرتنا عليك ، ثم بكت بكاء شديدا . ثم تقدّمت بنتان فسلّمتا على القبر ، ثم قالتا : هذا قبر أبينا الشفيق علينا ، والرحيم بنا ، آنسك اللّه بملائكة رحمته ، وصرف عنك عذابه ونقمته ، يا أبتاه ! جرت بعدك أمور لو عاينتها لأوهمتك ، ولو اطلعت عليها لأحزنتك ، كشف الرجال وجوهنا وقد كنت أنت سترها . قال الحارث : فبكيت لما سمعت كلامهن . ثم قمت مسرعا إليهن ، فسلمت عليهن ، وقلت لهن : أيتها الجواري ! إن الأعمال ربما قبلت ، وربما ردّت على صاحبها ، فما كان عمل أبيكنّ المخلّد في هذا القبر ، الذي عاينت من أمره ما أحزنني ، واطلعت من حاله على ما آلمني ؟ قال الحارث : فلما سمعن كلامي كشفن وجوههن وقلن : أيها العبد الصالح ؛ وما الذي رأيت ؟ قلت لهن : لي ثلاثة أيام وأنا أختلف إلى هذا القبر ، أسمع صوت المقمعة والسلسلة فيه ، قال : فلما سمعن ذلك مني قلن لي : بشارة ما أضرها ، ومصيبة ما أحزنها ، نحن نقضي الأوطار ، ونعمر الديار ، وأبونا يحرق بالنار ، فو اللّه لا قربنا قرار ، ولا ضمتنا للذة العيش دار ، أو نتضرع للجبار ، فلعله أن يعتق أبانا وينقذه من النار ، ثم مضين يتعثرن في أذيالهن . قال الحارث : فمضيت إل داري فبتّ ليلتي ، فلما أصبحت أتيت القبر فجلست عنده ، فغلبني النوم فنمت ، فإذا أنا بصاحب القبر له حسن وجمال ، وفي رجليه نعل من ذهب ، ومعه حور وغلمان . قال الحارث : فسلّمت عليه ، وقلت له : رحمك اللّه من أنت ؟ قال : أنا الرجل الذي عاينت من أمري ما أحزنك ، واطّلعت منه على ما أفجعك ، فجزاك اللّه خيرا فما أيمن طلعتك عليّ ، فقلت له : وكيف حالك ؟ فقال لي : لما اطلعت عليّ وأخبرت بناتي بالأمس بحالي ، أعرين أبدانهن وأسبلن شعورهن وتضرعن لمولاهن ، ومرّغن