القرطبي
65
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
الشرع فيها بمجرد الترك ، بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء ؛ كالصلاة والصوم . ومنها ما أضاف إليها كفارة ؛ كالحنث في الأيمان وغير ذلك . وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها ، فإن لم يوجدوا ؛ تصدّق عنهم ، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعساره فعفو اللّه مأمول وفضله مبذول ، فكم ضمن من التبعات ، وبدّل من السيئات بالحسنات . وعليه أن يكثر من الأعمال الصالحات ، ويستغفر لمن ظلمه من المؤمنين والمؤمنات ، فهذا الكلام في حقيقة التوبة . وقد روي مرفوعا في صفة التائب من حديث ابن مسعود أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال وهو في جماعة من أصحابه : « أتدرون من التائب ؟ » قالوا : اللهم لا . قال : « إذا تاب العبد ولم يرض خصماؤه فليس بتائب ، ومن تاب ولم يغير لباسه فليس بتائب ، ومن تاب ولم يغير مجلسه فليس بتائب ، ومن تاب ولم يغير نفقته وزينته فليس بتائب ، ومن تاب ولم يغير فراشه ووساده فليس بتائب ، ومن تاب ولم يوسع خلقه فليس بتائب ، ومن تاب ولم يوسع قلبه وكفه فليس بتائب » . ثم قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « فإذا تاب عن هذه الخصال فذلك تائب حقا » . قال العلماء : إرضاء الخصوم يكون بأن يرد عليهم ما غصبهم من مال ، أو خانهم ، أو غلهم ، أو اغتابهم ، أو خرق أعراضهم ، أو شتمهم ، أو سبهم ، فيرضيهم بما استطاع ، ويتحللهم من ذلك ، فإن انقرضوا فإن كان لهم قبله مال رده إلى الورثة ، وإن لم يعرف الورثة تصدّق به عنهم ، ويستغفر لهم بعد الموت ويدعو لهم عوض الذم والغيبة ، لا خلاف في هذا . وأما تغيير اللباس فهو أن يستبدل ما عليه من الحرام بالحلال ، وإن كانت ثياب كبر وخيلاء استبدلها بأطمار متوسطة . وتغيير المجلس ؛ هو بأن يترك مجالس اللهو واللعب والجهال والأحداث ، ويجالس العلماء ومجالس الذكر والفقراء والصالحين ، ويتقرب إلى قلوبهم بالخدمة وبما يستطيع ، ويصافحهم . وتغيير الطعام بأن يأكل الحلال ويجانب ما كان من شبهة أو شهوة ، ويغير أوقات أكله ، ولا يقصد اللذيذ من الأطعمة . وتغيير النفقة هو بترك الحرام وكسب الحلال . وتغيير الزينة بترك التزين في الأثاث والبناء واللباس والطعام والشراب . وتغيير الفراش بالقيام بالليل عوض ما كان يشغله بالبطالة والغفلة والمعصية ، كما قال اللّه تعالى : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [ السجدة : 16 ] .