القرطبي

66

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وتغيير الخلق هو بأن ينقلب خلقه من الشدة إلى اللين ، ومن الضيق إلى السعة ، ومن الشكاسة إلى السماحة . وتوسيع القلب يكون بالإنفاق ، ثقة بالقيام على كل حال ، وتوسيع الكف بالسخاء والإيثار بالعطاء . هكذا يبدّل كل ما كان فيه كشرب الخمر بكسره ، وسقي اللبن والعسل ، والزنا بكفالة الأرملة واليتيمة وتجهيزهما ، ويكون مع ذلك نادما على ما سلف منه ، ومتحسّرا على ما ضيّع من عمره . فإذا كملت التوبة به على هذه الخصال التي ذكرنا ، والشروط التي بيّنّا تقبّلها اللّه بكرمه ، وأنسى حافظيه وبقاع الأرض خطاياه وذنوبه . قال تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [ طه : 82 ] . والأصل في هذه الجملة ؛ حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه في الرجل الذي قتل مائة نفس ثم سأل : هل له من توبة ؟ فقال له العالم : ومن يحول بينك وبينها ، انطلق إلى أرض بني فلان ، فإن بها ناسا صالحين يعبدون اللّه ، فاعبد اللّه معهم ، ولا تعد إلى أرضك فإنها أرض سوء « 1 » . والحديث الذي أخرجه مسلم في « الصحيح » . وفي « مسند أبي داود الطيالسي » : حدّثنا زهير بن معاوية ، عن عبد الكريم الجزري ، عن زياد - وليس بابن أبي مريم - عن عبد اللّه بن معقل ، قال : كنت مع أبي وأنا إلى جنبه عند عبد اللّه بن مسعود فقال له أبي : أسمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى اللّه عزّ وجلّ تاب اللّه عليه » ؟ فقال : نعم سمعته يقول : « الندم توبة » « 2 » . وفي صحيح مسلم والبخاري ، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : سمعت

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3470 ) ومسلم ( 2766 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 1 / 376 ، 423 ، 433 ) وابن ماجة ( 4252 ) وابن أبي شيبة ( 9 / 361 ) والحاكم ( 4 / 243 ) والحميدي في « مسنده » ( 1 / 58 / 105 ) والقضاعي في « مسند الشهاب » ( 13 ، 14 ) والبخاري في « التاريخ الكبير » ( 3 / 374 ) والفسوي في « المعرفة والتاريخ » ( 3 / 135 ، 136 ، 362 ) والطبراني في « المعجم الصغير » ( 1 / 33 ) والطيالسي في « مسنده » ( 381 ) وأبو نعيم في « الحلية » ( 8 / 312 ) والبيهقي في « السنن » ( 10 / 154 ) وفي « شعب الإيمان » ( 5 / 386 / 7029 - 7032 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 5 / 91 / 1307 ) وغيرهم . من طرق ؛ عن عبد الكريم الجزري ، عن زياد بن أبي مريم ، عن عبد اللّه بن معقل به . واختلف فيه على عبد الكريم ؛ فتارة يرويه عن زياد بن أبي مريم ، وتارة عن زياد بن الجراح . وحاصل هذا الاختلاف ؛ أن جماعة رووا الحديث عن عبد الكريم ، عن زياد بن أبي مريم ، منهم السفيانان وخصيف . وخالفهم جماعة ؛ فرووه عن عبد الكريم ، عن زياد بن الجراح . وهذا ما نبّه إليه الإمام الكبير أبي عبد اللّه إسماعيل البخاري في « التاريخ الكبير » .