القرطبي
56
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
16 باب ما جاء في رسل ملك الموت قبل الوفاة ورد في الخبر : أن بعض الأنبياء عليهم السلام قال لملك الموت عليه السلام : أما لك رسول تقدّمه بين يديك ليكون الناس على حذر منك ؟ قال : نعم ، لي واللّه رسل كثيرة من الإعلال والأمراض والشيب والهموم وتغير السمع والبصر ، فإذا لم يتذكر من نزل به ذلك ولم يتب ، فإذا قبضته ناديته : ألم أقدّم إليك رسولا بعد رسول ونذيرا بعد نذير ؟ فأنا الرسول الذي ليس بعدي رسول ، وأنا النذير الذي ليس بعدي نذير . فما من يوم تطلع فيه شمس ولا تغرب إلا وملك الموت ينادي : ويا أبناء الأربعين ، هذا وقت أخذ الزاد ، أذهانكم حاضرة وأعضاؤكم قوية شداد . يا أبناء الخمسين قد دنا وقت الأخذ والحصاد . ويا أبناء الستين نسيتم العقاب ، وغفلتم عن رد الجواب فما لكم من نصير أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [ فاطر : 37 ] ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب « روضة المشتاق والطريق إلى الملك الخلّاق » . وفي البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أعذر اللّه إلى امرئ أخّر أجله حتى بلغ ستين سنة » « 1 » . يقال أعذر في الأمر ؛ أي بالغ فيه ، أي أعذر غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده ، وأكبر الإعذار إلى بني آدم ؛ بعثة الرسل إليهم ، ليتم حجته عليهم وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] وقال : وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [ فاطر : 37 ] قيل هو القرآن وقيل هو الرسل إليهم . وعن ابن عباس وعكرمة وسفيان ووكيع والحسين بن الفضل والفراء والطبري قالوا : هو الشيب ، فإنه يأتي في سن الاكتهال ، فهو علامة لمفارقته سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب « 2 » ، قال الشاعر : رأيت الشيب من نذر المنايا * لصاحبه وحسبك من نذير تقول النفس غيّر لون هذا * عساك تطيب في عمر يسير فقلت لها المشيب نذير عمري * ولست مسوّدا وجه النذير
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 6419 ) . ( 2 ) انظر : « تفسير القرآن العظيم » لابن أبي حاتم ( 10 / 3184 - 3185 ) و « تفسير القرآن العظيم » لابن كثير ( 3 / 733 ) و « الجامع لأحكام القرآن » للمصنف ( 14 / 353 - 354 ) .