القرطبي

57

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وقال آخر : وقائلة تخضّب فالغواني * نوافر عن معاينة النذير وللقاضي منذر بن سعيد البلوطي « 1 » رحمة اللّه تعالى عليه : كم تصابى وقد علاك المشيب * وتعامى جهلا وأنت اللبيب كيف تلهو وقد أتاك نذير * وشباك الحمام منك قريب يا مقيما قد حان منه رحيل * بعد ذاك الرحيل يوم عصيب إن للموت سكرة فارتقبها * لا يداويك إذا أتتك طبيب ثم تثوى حتى تصير رهينا * ثم يأتيك دعوة فتجيب بأمور المعاد أنت عليم * فاعملن جاهدا لها يا أريب وتذكّر يوما تحاسب فيه * إن من يذكر الممات ينيب ليس في ساعة من الدهر إلا * للمنايا عليك فيها رقيب كلّ يوم ترميك منها بسهم * إن تخطي يوما فسوف يصيب وله أيضا رضي اللّه عنه : ثلاث وستون قد جزتها * فما ذا تؤمّل أو تنتظر وحل عليك نذير المشيب * فما ترعوي أو فما تزدجر تمرّ لياليك مرّا حثيثا * وأنت على ما أرى مستمر فلو كنت تعقل ما ينقضي * من العمر لاعتضت خيرا بشر فما لك - ويحك - لا تستعد إذن * لدار المقام ودار المقر أترغب عن فجأة للمنون * وتعلم أن ليس منها وزر فإما إلى جنة أزلفت * وإما إلى سقر تستعر وقيل : النذير الحمّى ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « الحمى نذير الموت » « 2 » . أي : رائد الموت .

--> ( 1 ) هو : منذر بن سعيد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن النّفزي القرطبي ؛ أبو الحكم البلّوطي الأندلسي ، قاض من قضاة الأندلس ، كان فقيها محقّقا ، وخطيبا بليغا مفوّها . ولد سنة ( 273 ) وتوفي سنة ( 355 ) . انظر ترجمته في : « سير أعلام النبلاء » ( 16 / 173 ) و « البداية والنهاية » ( 11 / 288 - 289 ) و « نفح الطيب » ( 1 / 372 ) وغيرها . ( 2 ) لم أجده بهذا اللفظ ، لكن أخرجه البيهقي في « دلائل النبوة » ( 6 / 161 ) وابن قانع في « معجم الصحابة » ( 10 / رقم : 1127 ) والبخاري في « التاريخ الكبير » ( 5 / 248 ) من طريق : أبي عاصم العباداني ، عبد اللّه بن عبيد اللّه ، نا المحبر بن هارون ، عن أبي يزيد المدني ، عن -