القرطبي
55
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبّد ، فعلقت به امرأة غويّة ، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له : إنا ندعوك للشهادة ، فانطلق مع جاريتها فطفقت الجارية كلما دخل بابا أغلقته دونه ، حتى أفضت إلى امرأة وضيئة - أي جميلة - عندها غلام وباطية خمر فقالت : إني واللّه ما دعوتك للشهادة ، ولكن دعوتك لتقع عليّ ، أو تشرب من هذه الخمر كأسا ، أو تقتل هذا الغلام قال : فاسقيني من هذه الخمر ؟ فسقته كأسا قال : زيدوني ، فلم يزل يشرب حتى وقع عليها وقتل الغلام . فاجتنبوا الخمر فإنه واللّه لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر ، إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه » « 1 » . ويروى أن رجلا أسيرا مسلما ، وكان حافظا للقرآن ، خصّ بخدمة راهبين ، فحفظا منه آيات كثيرة لكثرة تلاوته ، فأسلم الراهبان وتنصّر المسلم . وقيل له : ارجع إلى دينك فلا حاجة لنا فيمن لم يحفظ دينه . قال : لا أرجع إليه أبدا فقتل ، وفي الخبر قصته ، والحكايات كثيرة في هذا الباب نسأل اللّه السلامة والممات على الشهادة . وأنشد بعضهم : قد جرت الأقلام في ذي الورى * بالختم من أمر الحكيم العليم فمن سعيد وشقي ومن * مثر من المال وعار عديم ومن عزيز رأسه في السّها * ومن ذليل وجهه في التخوم ومن صحيح شيدت أركانه * وآخر واهي المباني سقيم كلّ على منهاجه سالك * ذلك تقدير العزيز العليم وقال الربيع : سئل الشافعي عن القدر فأنشأ يقول : ما شئت كان وإن لم أشأ * وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت * ففي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وهذا خذلت * وهذا أعنت وذا لم تعن فمنهم شقيّ ومنهم سعيد * ومنهم قبيح ومنهم حسن ومنهم غنيّ ومنهم فقير * وكلّ بأعماله مرتهن * * *
--> ( 1 ) أخرجه النسائي ( 8 / 315 ) موقوفا على عثمان - رضي اللّه عنه - وصححه الألباني في « صحيح سنن النسائي » ( 5236 ) .