القرطبي
54
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
كثيرا ما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يحلف : « لا ومقلّب القلوب » « 1 » . ومعناه : يصرفها أسرع من مر الريح ، على اختلاف في القبول والرد والإرادة والكراهية ، وغير ذلك من الأوصاف ، وفي التنزيل : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [ الأنفال : 24 ] قال مجاهد : المعنى يحول بين المرء وعقله ، حتى لا يدري ما يصنع . بيانه إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ ق : 37 ] أي : عقل ، واختار الطبري أن يكون ذلك إخبارا من اللّه تعالى بأنه أملك لقلوب العباد منهم ، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء ، حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئة اللّه عزّ وجلّ . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : « كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يكثر أن يقول : يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على طاعتك . فقلت : يا رسول اللّه إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء فهل تخشى ؟ قال : وما يؤمنني يا عائشة ، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الجبار ، إذا أراد أن يقلب قلب عبده قلبه » « 2 » . قال العلماء : وإذا كانت الهداية إلى اللّه مصروفة ، والاستقامة على مشيئته موقوفة ، والعاقبة مغيبة ، والإرادة غير مغالبة ، فلا تعجب بإيمانك وعملك وصلاتك وصومك وجميع قربك ، فإن ذلك وإن كان من كسبك فإنه من خلق ربك وفضله الدّار عليك وخيره ، فمهما افتخرت بذلك ، كنت كالمفتخر بمتاع غيره ، وربما سلب عنك فعاد قلبك من الخير أخلى من جوف البعير ، فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم ، فأصبحت وزهرها يابس هشيم ، إذ هبت عليها الريح العقيم ، كذلك العبد يمسي وقلبه بطاعة اللّه مشرق سليم ، فيصبح وهو بمعصيته مظلم سقيم ، ذلك فعل العزيز الحكيم ، الخلاق العليم . روى النسائي عن عثمان رضي اللّه عنه قال : « اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث ،
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 6628 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 6 / 91 ) والنسائي في « الكبرى » ( 4 / رقم : 7737 ) والآجري في « الشريعة » ( 1 / 334 / 359 ) من طريق : يونس وهشام والمعلى بن زياد ، عن الحسن البصري ، عن عائشة به . وإسناده رجاله ثقات رجال مسلم ، لولا أن الحسن البصري مدلّس ، قاله الألباني في « ظلال الجنة » ( 224 ) . وأخرجه أحمد ( 6 / 251 ) من طريق : حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أم محمد ، عن عائشة به . وإسناده ضعيف ؛ لأجل علي بن زيد هو : ابن جدعان « ضعيف » . لكن الحديث صحيح له شواهد كثيرة جدا عن غير واحد من الصحابة ، منها ما هو في مسلم ، فلله الحمد والمنة .