القرطبي

46

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

من حديث معاذ بن جبل رضي اللّه عنه ، وصحّحه أبو محمد عبد الحق . ولينبه المحتضر على ما يدفع به الشيطان ، فإنه يتعرض للمحتضر ليفسد عليه عقيدته ، على ما يأتي . فإذا تلقّنها المحتضر وقالها مرة واحدة ، فلا تعاد عليه لئلّا يضجر ، وقد كره أهل العلم الإكثار من التلقين ، والإلحاح عليه إذا هو تلقنها أو فهم ذلك عنه . قال ابن المبارك : « لقّنوا الميت لا إله إلا اللّه فإذا قالها فدعوه » . قال أبو محمد عبد الحق : وإنما ذلك لأنه يخاف عليه إذا ألحّ عليه بها أن يتبرّم ويضجر ، ويثقلها الشيطان عليه ، فيكون سببا لسوء الخاتمة ، وكذلك أمر ابن المبارك أن يفعل به . قال الحسن بن عيسى : قال لي ابن المبارك : « لقّني - يعني الشهادة - ولا تعد عليّ إلا أن أتكلم بكلام ثان » . والمقصود أن يموت الرجل وليس في قلبه إلا اللّه عزّ وجلّ ، لأن المدار على القلب ، وعمل القلب هو الذي ينظر فيه ، وتكون النجاة به ، وأما حركة اللسان دون أن تكون ترجمة عما في القلب فلا فائدة فيها ، ولا عبر عندها . قال : وقد يكون التلقين بذكر الحديث عند الرجل العالم ، كما ذكر أبو نعيم أن أبا زرعة كان في السوق وعنده أبو حاتم ومحمد بن مسلمة والمنذر بن شاذان وجماعات من العلماء ، فذكروا حديث التلقين ؛ فاستحيوا من أبي زرعة ، فقالوا : يا أصحابنا تعالوا نتذاكر الحديث ، فقال محمد بن مسلمة : حدّثنا الضحاك بن مخلد ، حدثنا أبو عاصم ، قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح بن أبي غريب ولم يجاوزه . وقال أبو حاتم : حدثنا بندار ، حدثنا أبو عاصم ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح بن أبي غريب ولم يجاوزه ، والباقون سكوت . فقال أبو زرعة وهو في السوق : حدثنا أبو عاصم ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن صالح بن أبي غريب ، عن كثير بن مرة الحضرمي ، عن معاذ بن جبل قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه دخل الجنة » وفي رواية « حرّمه اللّه على النار » وتوفي رحمه اللّه . ويروى عن عبد اللّه بن شبرمة أنه قال : دخلت مع عامر الشّعبي على مريض نعوده ، فوجدناه لما به ، ورجل يلقّنه الشهادة ويقول له : قل لا إله إلا اللّه ، وهو يكثر عليه . فقال له الشّعبي : ارفق به ، فتكلّم المريض وقال : إن تلقني أو لا تلقني ، فإني لا أدعها ، ثم قرأ : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها [ الفتح : 26 ] . فقال الشعبي : الحمد للّه الذي نجّى صاحبنا هذا . وقيل للجنيد رحمه اللّه عند موته ، قل لا إله إلا اللّه فقال : ما نسيته فأذكره . قلت : لا بدّ من تلقين الميت ، وتذكيره الشهادة ، وإن كان على غاية من التيقّظ ، فقد ذكر أبو نعيم الحافظ من حديث مكحول عن وائلة بن الأسقع عن