القرطبي

25

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

من تلقاء وجهه في زيارته كمخاطبته حيّا ، ولو خاطبه حيّا لكان الأدب استقباله بوجهه ، فكذلك هاهنا . ثم يعتبر بمن صار تحت التراب ، وانقطع عن الأهل والأحباب ، بعد أن قاد الجيوش والعساكر ، ونافس الأصحاب والعشائر ، وجمع الأموال والذخائر ، فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه ، وهول لم يرتقبه ، فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه ، ودرج من أقرانه ، الذين بلغوا الآمال وجمعوا الأموال ، كيف انقطعت آمالهم ، ولم تغن عنهم أموالهم ، ومحا التراب محاسن وجوههم ، وافترقت في القبور أجزاؤهم ، وترمّل بعدهم نساؤهم ، وشمل ذل اليتم أولادهم ، واقتسم غيرهم طريقهم وبلادهم . وليتذكر ترددهم في المآرب ، وحرصهم على نيل المطالب ، وانخداعهم لمؤاتاة الأسباب ، وركونهم إلى الصحة والشباب ، وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم ، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع والهلاك السريع كغفلتهم ، وأنه لا بدّ صائر إلى مصيرهم ، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه ، وكيف تهدمت رجلاه ، وكان يتلذذ بالنظر إلى ما حوله وقد سالت عيناه ، ويصول ببلاغة نطقه ، وقد أكل الدود لسانه ، ويضحك لمؤاتاة دهره وقد أبل التراب أسنانه ، وليتحقق أن حاله كحاله ، ومآله كمآله . وعند هذا التذكّر والاعتبار ، يزول عنه جميع الأغيار الدنيوية ، ويقبل على الأعمال الأخروية ، فيزهد في دنياه ، ويقبل على طاعة مولاه ، ويلين قلبه ، وتخشع جوارحه ، واللّه أعلم . فصل جاء في هذا الباب حديث يعارض حديث هذا الباب ؛ وهو ما خرّجه أبو بكر أحمد بن علي الخطيب في كتاب « السابق واللاحق » وأبو حفص عمر بن شاهين في « الناسخ والمنسوخ » له في الحديث بإسناديهما عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : حج بنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم حجّة الوداع فمر بي على عقبة الحجون ، وهو باك حزين مغتمّ ، فبكيت لبكائه صلى اللّه عليه وسلّم ، ثم إنه طفر - أي وثب - فنزل فقال : « يا حميراء استمسكي » فاستندت إلى جنب البعير ، فمكث عني طويلا مليا ، ثم إنه عاد إليّ ، وهو فرح متبسم ، فقلت له : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ؛ نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتمّ ، فبكيت لبكائك يا رسول اللّه ، ثم إنك عدت إليّ وأنت فرح متبسم ، فعن ما ذا يا رسول اللّه ؟ فقال : « مررت بقبر أمي آمنة ، فسألت اللّه ربي أن يحييها فأحياها فآمنت بي - أو قال - فآمنت وردّها اللّه عزّ