القرطبي

22

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

4 باب ما يذكّر الموت والآخرة ويزهّد في الدنيا ( مسلم ) عن أبي هريرة قال : زار النبي صلى اللّه عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ، فقال : « استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي ، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت » « 1 » . ( ابن ماجة ) عن ابن مسعود أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة » « 2 » . فصل زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء ، مختلف فيه للنساء « 3 » ؛ أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج ، وأما القواعد فمباح لهن ذلك ، وجائز ذلك لجميعهن إذا انفردن بالخروج عن الرجال ، ولا يختلف في هذا ، إن شاء اللّه تعالى . وعلى هذا المعنى يكون قوله عليه الصلاة والسلام : « زوروا القبور » عامّا . وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة ، من اجتماع الرجال والنساء ، فلا يجوز ولا يحل ، فبينا الرجل يخرج ليعتبر ، فيقع بصره على امرأة فيفتتن ، وبالعكس ؛ فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا ليس مأجورا وهذا واضح . واللّه أعلم . وقد رأى بعض أهل العلم ، أن لعن النبي صلى اللّه عليه وسلم زوّارات القبور ، كان قبل أن يرخص في زيارة القبور ، فلما رخص ؛ دخل في رخصته الرجال والنساء . وما ذكرناه لك أولا أصح - واللّه أعلم . وروي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ؛ أنه خرج إلى المقبرة فلما أشرف عليها قال : « يا أهل القبور أخبرونا عنكم ، أو نخبركم ، أما خبر من قبلنا فالمال قد اقتسم ، والنساء قد تزوّجن ، والمساكن قد سكنها قوم غيركم ، ثم قال : أما واللّه لو استطاعوا لقالوا : لم نر زادا خيرا من التقوى » .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 976 ) . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة ( 1571 ) بسند ضعيف ، لكن صحّ عند مسلم ( 977 ) وغيره من حديث بريدة قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها » دون ذكر جملة « فإنها تزهّد في الدنيا » . ( 3 ) والراجح أنه جائز لهن ، وانظر « أحكام الجنائز » للألباني ص 229 - 237 .