القرطبي
23
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول : يا عجبا للناس لو فكّروا * أو حاسبوا أنفسهم أبصروا وعبروا الدنيا إلى غيرها * فإنما الدنيا لهم معبر لا فخر إلّا فخر أهل التّقى * غدا إذا ضمهم المحشر ليعلمنّ الناس أن التّقى * والبرّ كانا خير ما يدّخر عجبت للإنسان في فخره * وهو غدا في قبره يقبر ما بال من أوّله نطفة * وجيفة آخره يفجر أصبح لا يملك تقديم ما * يرجو ولا تأخير ما يحذّر وأصبح الأمر إلى غيره * في كلّ ما يقضى وما يقدر فصل قال العلماء رحمة اللّه عليهم : ليس للقلوب أنفع من زيارة القبور ، وخاصة إن كانت قاسية ، فعلى أصحابها أن يعالجوها بأربعة أمور : أحدها : الإقلاع عما هي عليه بحضور مجالس العلم بالوعظ والتذكير ، والتخويف والترغيب ، وأخبار الصالحين ، فإن ذلك مما يلين القلوب وينجع فيها . الثاني : ذكر الموت ، فيكثر من ذكر هاذم اللذات ، ومفرّق الجماعات ، وميتّم البنين والبنات ، كما تقدم في الباب قبل . يروى أن امرأة شكت إلى عائشة رضي اللّه عنها قساوة قلبها ، فقالت لها : « أكثري من ذكر الموت يرقّ قلبك » ففعلت ذلك فرقّ قلبها . فجاءت تشكر عائشة رضي اللّه عنها . قال العلماء : تذكّر الموت يردع عن المعاصي ، ويليّن القلب القاسي ، ويذهب الفرح بالدنيا ، ويهوّن المصائب فيها . الثالث : مشاهدة المحتضرين ، فإن في النظر إلى الميت ومشاهدة سكراته ونزعاته ، وتأمل صورته بعد مماته ، ما يقطع عن النفوس لذّاتها ، ويطرد عن القلوب مسرّاتها ، ويمنع الأجفان من النوم ، والأبدان من الراحة ، ويبعث على العمل ، ويزيد في الاجتهاد والتعب . يروى أن الحسن البصري دخل على مريض يعوده ، فوجده في سكرات الموت ، فنظر إلى كربه ، وشدّة ما نزل به ، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم ، فقالوا له : الطعام يرحمك اللّه ، فقال : يا أهلاه عليكم بطعامكم وشرابكم ، فو اللّه لقد رأيت مصرعا لا أزال أعمل له حتى ألقاه .