القرطبي

21

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

أعطاك اللّه من الدنيا ، الدار الآخرة وهي الجنة ؛ فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة ، لا في الطين والماء والتجبر والبغي « 1 » ، فكأنهم قالوا : لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن ، ونحو هذا قول الشاعر : نصيبك مما تجمع الدهر كلّه * رداءان تلوى فيهما وحنوط وقال آخر : هي القناعة لا تبغي بها بدلا * فيها النعيم وفيها راحة البدن انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها * هل راح منها بغير القطن والكفن ؟ « 2 » فصل وقوله عليه الصلاة والسلام : « الكيّس من دان نفسه » دان : حاسب . وقيل : ذل . قال أبو عبيد : دان نفسه : أي أذلها واستعبدها « 3 » . يقال : دنته أدينه ، إذا ذللته فيذل نفسه في عبادة اللّه سبحانه وتعالى عملا يعده لما بعد الموت ، ولقاء اللّه تعالى ، وكذلك يحاسب نفسه على ما فرّط من عمره ، ويستعد لعاقبة أمره ، بصالح عمله ، والتنصل من سالف زلله ، وذكر اللّه تعالى وطاعته في جميع أحواله ، فهذا هو الزاد ليوم المعاد . والعاجز ضد الكيّس ، والكيس : العاقل ، والعاجز : المقصّر في الأمور ، فهو مع تقصيره في طاعة ربه ، واتباع شهوات نفسه ، متمنّ على اللّه أن يغفر له . وهذا هو الاغترار ، فإن اللّه تعالى أمره ونهاه . وقال الحسن البصري : إن قوما ألهتهم الأماني ، حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة ، ويقول أحدهم : إني أحسن الظن بربي ! وكذب ، لو أحسن الظن لأحسن العمل ، وتلا قوله تعالى : وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ [ فصلت : 23 ] . وقال سعيد بن جبير : « الغرة باللّه أن يتمادى الرجل بالمعصية ، ويتمنى على اللّه المغفرة » . وقال بقية بن الوليد : كتب أبو عمير الصوري إلى بعض إخوانه : « أما بعد فإنك قد أصبحت تؤمل الدنيا بطول عمرك ، وتتمنى على اللّه الأماني بسوء فعلك ، وإنما تضرب حديدا باردا ، والسلام » . وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب ما جاء أن القبر أول منازل الآخرة ، إن شاء اللّه تعالى .

--> ( 1 ) انظر « تفسير المصنف » ( 13 / 314 ) . ( 2 ) قائل هذه الأبيات هو علي بن الحسين ؛ الإمام زين العابدين عليه السلام . ( 3 ) انظر « لسان العرب » ( 4 / 461 ) و « النهاية في غريب الحديث والأثر » لابن الأثير ( 2 / 137 ) و « الغريبين » لأبي عبيد الهروي ( 2 / 666 ) .