القرطبي
183
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
حدث عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : « أرواح المؤمنين في طير كالزرازير يتعارفون ، يرزقون من [ ثمر ] الجنة » « 1 » . أخبرنا ابن لهيعة قال : حدّثني يزيد بن أبي حبيب ، أن منصور بن أبي منصور حدثه قال : سألت عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه ، فقلت : أخبرني عن أرواح المسلمين أين هي حين يتوفون ؟ قال : ما تقولون أنتم يا أهل العراق ؟ قلت : لا أدري . قال : فإنها صور طير بيض في ظل العرش ، وأرواح الكافرين في الأرض السابعة . « 2 » وذكر الحديث . قلت : فهذه حجة من قال : إن أرواح المؤمنين كلهم في الجنة - واللّه أعلم . على أنه يحتمل أن يدخله من التأويل ما تقدم - واللّه أعلم - فيكون المعنى : أرواح المؤمنين الشهداء ، وكذا فقلت : أخبرني عن أرواح المؤمنين الشهداء - واللّه أعلم . فصل وقع في حديث ابن مسعود : « أرواحهم في جوف طير خضر » وفي حديث مالك : « نسمة المؤمن طائر » . وروى الأعمش ، عن عبد اللّه بن مرة قال : سئل عبد اللّه بن مسعود عن أرواح الشهداء ؟ فقال : أرواح الشهداء عند اللّه كطير خضر في قناديل تحت العرش تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم ترجع إلى قناديلها وذكر الحديث . وروى ابن عيينة ، عن عبد اللّه بن أبي يزيد ، أنه سمع ابن عباس رضي اللّه عنهما يقول : « إن أرواح الشهداء تجول في طير خضر » . وروى ابن شهاب عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أرواح الشهداء طير خضر تعلّق في شجر الجنة » . وهذا كله مطابق لحديث مالك ، فهو أصح من رواية من روى أن أرواحهم في جوف طير خضر . قاله أبو عمر في « الاستذكار » . وقال أبو الحسن القابسي : « أنكر العلماء قول من قال : « في حواصل طير » لأنها رواية غير صحيحة ، لأنها إذا كانت كذلك فهي محصورة مضيق عليها » . قلت : الرواية صحيحة لأنها في « صحيح مسلم » بنقل العدل عن العدل ، فيحتمل أن تكون الفاء بمعنى على ، فيكون المعنى أرواحهم على جوف طير خضر ، كما قال تعالى : وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [ طه : 71 ] أي على جذوع
--> ( 1 ) أخرجه ابن المبارك في « الزهد » ( 446 ) . ( 2 ) أخرجه نعيم بن حماد في زوائد « الزهد » لابن المبارك رقم ( 164 ) .