القرطبي
171
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
60 باب ما ينجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته وعذابه وذلك خمسة أشياء ، رباط ، قتل ، قول ، بطن ، زمان . الأول : روى مسلم عن سلمان قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله ، وأجري عليه رزقه ، وأمن من الفتّان » « 1 » . فالرباط من أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت ، كما جاء في حديث العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلّا من ثلاثة » ( الحديث ) ، وقد تقدّم ، وهو حديث صحيح ، انفرد بإخراجه مسلم . وكذلك ما أخرجه ابن ماجة وأبو نعيم من أنه يلحق الميت بعد موته ، فإن ذلك مما ينقطع بنفاذه وذهابه ، كالصدقة بنفاذها ، والعلم بذهابه ، والولد الصالح بموته ، والنخل بقطعه ، إلى غير ذلك مما ذكر . والرباط يضاعف أجره لصاحبه إلى يوم القيامة لقوله عليه الصلاة والسلام : « وإن مات أجرى عليه عمله » وقد جاء مفسرا مبينا في كتاب الترمذي عن فضالة بن عبيد ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كلّ ميت يختم على عمله إلّا الذي مات مرابطا في سبيل اللّه ، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر » . قال حديث حسن صحيح ، وأخرجه أبو داود بمعناه وقال : « ويؤمن من فتان القبر » « 2 » . ولا معنى للنماء إلا المضاعفة ؛ وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه ، بل هي فضل دائم من اللّه تعالى ، لأن أعمال البر لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو ، والتحرز منهم بحراسته بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام ، وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه ، هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة ، وخرّجه ابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من مات مرابطا في سبيل اللّه أجرى اللّه عليه عمله الصالح الذي كان يعمل ، وأجرى عليه رزقه ، وأمن من فتنة القبر ، ويبعثه اللّه آمنا من الفزع الأكبر » « 3 » .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 1913 ) . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( 2500 ) والترمذي ( 1621 ) ، وصححه الألباني في تخريج « المشكاة » ( 3823 ) . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة ( 2767 ) وهو في « صحيح سنن ابن ماجة » ( 2234 ) .