القرطبي

172

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وخرج أبو نعيم الحافظ ، عن جبير بن بكر ، وكثير « 1 » بن مرة ، وعمرو بن الأسود ، عن العرباض بن سارية رضي اللّه عنه : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كل عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات إلّا المرابط في سبيل اللّه ، فإنه ينمي عليه عمله ويجري عليه رزقه إلى يوم الحساب » « 2 » . وفي هذا الحديث وحديث فضالة بن عبيد قيد ثان ؛ وهو : الموت حالة الرباط ، واللّه أعلم . وروي عن عثمان بن عفان قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من رابط ليلة في سبيل اللّه كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها » « 3 » . وروي عن أبي بن كعب قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لرباط يوم في سبيل اللّه من وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان ، أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ، ورباط يوم في سبيل اللّه من وراء عورة المسلمين محتسبا من شهر رمضان أفضل عند اللّه وأعظم أجرا » . أراه قال : « من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها ، فإن رده اللّه إلى أهله سالما لم يكتب عليه سيئة ألف سنة ، ويكتب له من الحسنات ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة » « 4 » . فدل هذا الحديث على أن رباط يوم في شهر رمضان يحصل به الثواب الدائم ، وإن لم يمت مرابطا واللّه أعلم . أخرجه عن محمد بن إسماعيل بن سمرة ، حدّثنا محمد بن يعلى السلمي ، حدّثنا عمرو بن صبيح ، عن عبد الرحمن بن عمرو ، عن مكحول ، عن أبي بن كعب فذكره « 5 » . مسألة الرباط : هو الملازمة في سبيل اللّه . مأخوذ من ربط الخيل ، ثم سمي كلّ ملازم لثغر من ثغور المسلمين ؛ مرابطا ، فارسا كان أو راجلا ، واللفظة مأخوذة من الرباط ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم في منتظري الصلاة : « فذلكم الرباط » إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل اللّه ، والرباط اللغوي هو الأول ، وهو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما ، فأما سكان الثغور دائما بأهلهم الذين يعمرون ويكتسبون هناك ، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين . قاله علماؤنا ، وقد بيناه في كتاب « الجامع لأحكام القرآن » من سورة آل عمران « 6 » - والحمد للّه .

--> ( 1 ) وقع في « المطبوعة » : « كبير » ! والصواب ما أثبتناه . ( 2 ) أخرجه الطبراني في « الكبير » ( 18 / 256 / 641 ) ووثق رجاله الهيثمي في « المجمع » ( 5 / 290 ) . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة ( 2766 ) وهو ضعيف جدا ، انظر « ضعيف سنن ابن ماجة » ( 551 ) . ( 4 ) أخرجه ابن ماجة ( 2768 ) وهو موضوع ، المصدر السابق رقم ( 552 ) . ( 5 ) محمد بن يعلى السلمي وعمر بن صبيح متروكان . ( 6 ) انظر « الجامع لأحكام القرآن » ( 4 / 323 - 326 ) .